لم تعد واقعة الاعتداء المتداولة داخل عيادة أسنان مجرد مشهد عابر على منصات التواصل، بل أصبحت جرس إنذار جديدًا بشأن ظاهرة أخطر: حين يغيب القانون عن لحظة الغضب، يحضر العنف ويخسر الجميع.
في المشهد طرفان؛ طبيبة كانت تؤدي عملها داخل مكان يفترض أن يكون آمنًا، ومريضة لها كامل الحق في السؤال والاعتراض والشكوى إذا شعرت بأي تجاوز أو تقصير. لكن بين الحق في الاعتراض والحق في الحماية هناك خط أحمر اسمه: الاعتداء.
لا يجوز أن تتحول شكوى مريض إلى مبرر للإهانة أو التعدي على طبيب، كما لا يجوز أن تتحول سلطة الطبيب أو مكانته المهنية إلى مبرر للتعامل باستعلاء أو استفزاز مع مريض. الجميع أمام القانون سواء، وكل خطأ له طريقه الطبيعي: التحقيق والمساءلة، لا الصراخ ولا الأيدي.
المؤلم في المشهد ليس فقط ما حدث داخل العيادة، بل ما كشفه من أزمة أكبر في طريقة تعاملنا مع الخلافات. أصبح البعض يتعامل مع الغضب وكأنه يمنحه حق العقاب، وكأن القوة يمكن أن تحل محل القانون.
والأكثر إثارة للتساؤل هو موقف من يتواجدون في المكان لحظة التصعيد؛ فوجود مسؤول أو فرد أمن لا ينبغي أن يكون مجرد حضور جسدي، بل مسؤولية حقيقية للتدخل ومنع تحول الخلاف إلى اعتداء، وحماية كل من في المكان.
نحتاج اليوم إلى وقفة جادة أمام ثقافة "أخذ الحق باليد". فالمجتمع الذي يسمح بأن يصبح العنف وسيلة للنقاش يفتح الباب أمام فوضى لا تستثني أحدًا؛ طبيبًا أو مريضًا أو أي مواطن.
هذه الواقعة لا يجب أن تتحول إلى حملة لإدانة طرف قبل انتهاء التحقيق، بل يجب أن تكون فرصة لطرح سؤال أكبر: كيف نحمي حق المريض في الشكوى؟ وكيف نحمي حق مقدم الخدمة في الأمان؟
الإجابة ليست في الانحياز لطرف على حساب آخر، وإنما في إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة: القانون وحده هو صاحب الكلمة الأخيرة.
فالاعتداء لا يصنع حقًا، والصوت المرتفع لا يصنع عدالة، ومن يخرج عن القانون يضر بالقضية التي يدافع عنها قبل أن يضر بالآخر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض