رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

طالبت إحدى المحاميات بتقديم رعاية صحية رسمية وتأمين طبي للعاهرات مما تسبب فى صدمة للشارع المصري، ويمكن مناقشة هذا الطرح ومواجهته من خلال عدة ركائز أساسية تكشف عدم موضوعيته واستحالة تطبيقه في المجتمع.

فمن الناحية القانونية والدستورية، ينص الدستور المصري صراحة على أن الأسرة هي أساس المجتمع، وقوامها الدين والأخلاق والوطنية. ومن الناحية التشريعية، يجرّم القانون المصري الدعارة بكافة أشكالها، ويعاقب على ممارستها والتحريض عليها وتسهيلها. أما من المنظور الديني والأخلاقي، فهذه الدعوة هى محاولة صريحة لخلخلة الثوابت، وهدم المنظومة الدينية والقيم الأخلاقية التي تشكل درع المجتمع وحصنه الأخير.

ويلاحظ أن استهداف القيم الدينية لا يتم دائماً عبر الصدام المباشر مع الدين، بل يجري تمريره بنعومة عبر مصطلحات براقة مثل :الحرية الجسدية، والحماية الصحية، هذا الأسلوب يهدف في المقام الأول إلى إزالة حالة الرفض الفطري للفواحش، وتحويل المحرمات الدينية إلى سلوك مألوف ومقنن. وعندما يفقد الدين هيبته ،  يصبح ميزان الأفعال هو المصلحة المادية والأمان الصحي بدلاً من الحلال والحرام، وهو ما يؤدي في النهاية إلى علمنة الأخلاق وفصل المجتمع عن جذوره الروحية.

والأسرة في المنظور الديني والاجتماعي هي النواة المقدسة التي تضمن بقاء المجتمع طاهراً ومترابطاً، وتقنين بدائل غير شرعية للممارسات الجنسية وإحاطتها برعاية الدولة يضرب فكرة الزواج والاستقرار الأسري في مقتل، ويزهد الشباب في تحمل مسؤوليات الزواج. وهذا الانحلال يتبعه حتماً ظهور جيل فاقد للهوية والانتماء ومتشكك فى عقيدته وقيمه الأخلاقية.

إن محاولة إسقاط النماذج الغربية التي تقنن هذه الممارسات على الواقع المصري تتجاهل تماماً الخصوصية الثقافية والاجتماعية لمصر. فالمصري عموماً  يلفظ هذه الأفكار ويعتبرها غريبة عن هويته. كما أن الدراسات الاجتماعية تؤكد أن مواجهة الأمراض المنقولة جنسياً أو المشكلات المصاحبة لهذه الممارسات لا تأتي عبر إفساح المجال لها ومنحها غطاءً صحياً رسمياً، بل من خلال التوعية والعلاج النفسي، مع استمرار تفعيل سلطة القانون لحماية المجتمع.

وعند العودة إلى التاريخ، نجد أن الأمم التي حاولت تقنين هذه الممارسات أو إضفاء صبغة رسمية عليها، حتى لو كان ذلك بداعي التنظيم الصحي أو التحصيل الضريبى، قد واجهت عواقب اجتماعية وأخلاقية وخيمة أدت في النهاية إلى تآكل تماسكها الداخلي  ، ومن أبرز الأمثلة التاريخية على ذلك ما شهده العصر الروماني المتأخر، حيث تحولت هذه الممارسات من مجرد سلوكيات معزولة إلى تجارة مقننة تخضع للضرائب وتشرف عليها السلطات. وكانت النتيجة المباشرة لهذا التقنين هي انهيار الرابطة الأسرية، وتراجع معدلات المواليد الشرعيين، وفقدان المجتمع لأسسه الأخلاقية، وهو ما اعتبره المؤرخون أحد الأسباب الداخلية الأساسية التي مهدت لسقوط الإمبراطورية الرومانية وانحلالها من الداخل قبل حتى أن تسقط عسكرياً.

وفي التاريخ العربي والإسلامي، تظهر تجربة إلغاء ضريبة البغاء كشاهد على أن الوعي المجتمعي والسياسي كان يربط دائماً بين الطهر الأخلاقي والاستقرار السياسي. ففي العصر العباسي، وفي عهد الخليفة المقتدر بالله، أقدم الوزير علي بن عيسى على خطوة تاريخية بإلغاء ما كان يُعرف بديوان المومسات ورفع الضرائب عنهن، معتبراً أن جني الأموال أو إدخال هذه الممارسات تحت مظلة تنظيمية رسمية للدولة هو دنس يتناقض مع شرعية الحكم وهيبة الدولة، وقوبل هذا القرار بترحيب شعبي عارم أعاد للمجتمع توازنه.

أما في التاريخ المصري الحديث، فإن تجربة إلغاء البغاء الرسمي عام 1949 تعد من أهم الأدلة التاريخية على أن تقنين الدعارة لم تحقق أي حماية صحية أو اجتماعية. ففى زمن الاحتلال البريطاني كان مسموحاً بالدعارة ، مع فرض نظام التسجيل والتفتيش الصحي الدوري على العاملات في هذا المجال بذريعة الحد من انتشار الأمراض السرية بين جنود الاحتلال. لكن الواقع التاريخي أثبت فشل هذا النظام تماماً، إذ لم يمنع انتشار الأمراض، بل أسهم في خلق وصمة اجتماعية أبدية وعزل هؤلاء النساء في عوالم سفلية مظلمة، مما دفع الحركة الوطنية المصرية بقيادة شخصيات نسائية واجتماعية بارزة، وبدعم من نواب البرلمان، إلى خوض معركة تشريعية طويلة انتهت بصدور القانون الذي يجرم هذه الممارسات بشكل مطلق.

وفي الربع الأول من القرن العشرين، وتحديداً في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حاولت عصبة الأمم فتح ملف (تنظيم الدعارة الدولي) تحت شعارات مكافحة الأمراض والحد من الاتجار بالبشر، وتبنت بعض الدول الأوروبية وقتها نظام البيوت الخاضعة للرقابة الصحية الرسمية. لكن النتيجة جاءت عكسية ، فبدلاً من أن يساهم الإشراف الصحي والدعم الرسمي في تقليص هذه الظاهرة، تحولت تلك البيوت إلى بؤر للجريمة المنظمة، وازدهرت تجارة تهريب النساء عبر الحدود بشكل غير مسبوق، مما اضطر هذه الدول في النهاية، وتحت ضغط المنظمات الحقوقية والاجتماعية، إلى إغلاق هذه البيوت وإصدار (اتفاقية الأمم المتحدة لقمع الاتجار بالأشخاص واستغلال بغاء الغير) عام 1949، والتي أكدت أن هذه الممارسات تتنافى مع كرامة الإنسان وقيمته.

ومن ناحية الفلسفة الاجتماعية فإن الفكر الاجتماعي الرصين يرى أن المطالبة بتقديم مظلة صحية أو تأمينية لهذه الفئة يحمل في طياته تناقضاً أخلاقياً ومعرفياً، فهو يحول الجسد الإنساني إلى سلعة تجارية معترف بها من قبل الدولة، وهو ما يصطدم مباشرة مع جوهر حقوق الإنسان التي تنادي بحرية الجسد وصون كرامته. إن الدولة عندما تكفل رعاية صحية لمهنة معينة، فهي بالضرورة تسمح بها كخيار وظيفي متاح في المجتمع، وهذا يهدم المبدأ الذي تقوم عليه المؤسسات الوطنية، حيث يصبح الانحراف سلوكاً محمياً وممولاً من دافعي الضرائب.

لذلك، فإن المواجهة الحقيقية والسليمة التي تتبناها المجتمعات الواعية لا تقف عند حدود الرفض القانوني أو الإدانة الأخلاقية فحسب، بل تمتد لتشمل إيقاف الأسباب الاقتصادية والنفسية التي قد تدفع البعض إلى هذا المنزلق. وتوفير فرص العمل الشريفة التي تحفظ للمرأة كرامتها وإنسانيتها، وتقديم الدعم النفسي والتأهيلي الشامل الذي يساعد على الدمج المجتمعي السوي، بدلاً من ترسيخ واقع مشوه يدمّر البنية الأخلاقية والاجتماعية للوطن.