يُعد اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) الذي أُعلن عنه بمثابة لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة السلطة في شمال شرق سوريا، ويحمل دلالات محلية وإقليمية متعددة ومعقدة. الاتفاق، الذي تطرقت إليه وكالات أنباء دولية ومحلية، ينص على وقف فوري وشامل لإطلاق النار، انسحاب قسد إلى شرق الفرات، وتسليم إدارة محافظتي الرقة ودير الزور إلى دمشق، إضافة إلى دمج أفراد قسد بشكل فردي داخل هياكل وزارتي الدفاع والداخلية السورية وتسليم المنافذ والحقول النفطية للدولة.
من منظور داخلي، الاتفاق يضع نهاية فعليّة لمرحلة الحكم الذاتي الفعلي الذي امتد لأكثر من عقد في مناطق يغلب عليها التركيب الكُردي والعشائري. إذ أن تحويل سيطرة المؤسسات الأمنية والإدارية إلى دمشق يعيد الدولة المركزية إلى مناطق كانت تعمل خارج قوامها، ولكنه يعيد كذلك ملف الحقوق والتمثيل الكُردي إلى طاولة تفاوض جديدة حيث الضمانات العملية ما تزال محل شك. البند المتعلق باندماج الأفراد «فردياً» يعني عملياً تفكيك الهيكل العسكري والسياسي المٌستقل لقسد، ما يضع آلاف المقاتلين أمام خيار الاندماج أو التسريح.
أما على الصعيد الأمني والاستراتيجي، فتُعد سيطرة دمشق على الحقول النفطية والمعابر تحوّل في قواعد اللعبة الاقتصادية خاصة أنه يمنح الدولة موارد حيوية لإعادة الإعمار وشراء ولاءات محلية.
لكن هذا التمركز قد يولّد مقاومة مجتمعية في مناطق اعتادت على إدارة محلية للموارد، وقد يؤدي إلى نزوح أو احتجاجات إذا فشلت سياسات المصالحة والعدالة الاقتصادية. كما أن طرد العناصر "الأتربة والأجانب" الذين ينتمون تنظيميًا أو عقائديًا إلى حزب العمال الكردستاني وشرط تشكيل قوى مدنية يستهدف استرضاء أنقرة وتقليل ذريعة التدخل التركي.
دولياً، الاتفاق يختبر مواقف الولايات المتحدة وتركيا وروسيا: إذ تبدو واشنطن مضطرة للترحيب الشكلي مع تشديد على حقوق الأقليات ومراقبة السجون ومكافحة داعش، في حين تستفيد موسكو من استعادة مؤسسة الدولة لمدى أوسع. أما أنقرة فقد تعتبره مكسباً بشرط إضعاف النفوذ الكُردي المسلّح، بعيدًا عن أي ضغوطات قد تهدّد استقرار الاتفاق على المدى القريب.
في الختام، يُعد الاتفاق فرصة نادرة لخفض منسوب العنف والتوتر وإعادة بناء مؤسسات مركزية لكن نجاحه يتوقف على آليات تنفيذ واضحة، تشمل ضمانات سياسية حقيقية للأقليات، وإدارة عادلة للموارد، ومراقبة دولية لضمان عدم تحول الاندماج إلى تصفية حسابات. إذ يمثل كل ذلك خطوة مفصلية نحو إعادة توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار. ورغم التحديات السياسية والأمنية التي قد تعترض التنفيذ، فإن نجاح الاتفاق يبقى مرهونًا بقدرة الأطراف على بناء الثقة وتحقيق شراكة وطنية تحفظ وحدة سوريا وسيادتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض