حكم إعلان الخصومات غير الحقيقية لجذب المشترين
من المقرر أن إعلان الخصومات غير الحقيقية بقصد جذب المشترين محرمٌ شرعًا ويأثم فاعله؛ لاشتماله على الكذب والتدليس والتغرير بالمشتري، والنجش القائم على الإيهام والتلاعب بالأسعار، وذلك بتزييف إدراك المشتري بإيهامه بوجودَ منفعةٍ غير حاصلة، فيُقبِل على التعاقد بناءً عليها، وهذا المسلك يُفسد الرضا المعتبر شرعًا؛ لما في ذلك من التدليس والإيهام، فيصبح العقد في ظاهره تراضيًا وفي باطنه تغريرًا، وفي ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل، مع أن الأصل في المعاملات النصح وبيان الحقائق لا الخديعة والإيهام.
حكم إعلان الخصومات غير الحقيقية لجذب المشترين
وإباحة المعاملات مُقيَّدٌ بسلامةِ المقاصدِ والوسائلِ من الغشِّ والتدليسِ والخداعِ؛ إذ الشريعةُ إنما أباحت البيعَ لتحقيقِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، فإذا تطرَّق إليه ما يُفسدُ الرضا أو يُلبسُ على المتعاقدين حقيقته خرج عن حدِّ الإباحة إلى المنع بحسب ما يقوم به من وصفٍ محرَّم.
ومن هذا الباب ما يُستحدث في زماننا من أمثال الصورة المسؤول عنها والتي يحدث فيها إعلانُ خصومات غير حقيقية بين البائعين أو المسوِّقين بقصدِ جذب المشترين وإيهامهم بوجود تنافسٍ أو نزاعٍ يُفضي إلى تفضيلِ سلعةٍ أو الإقبال عليها، وهذا من قبيل البيع المشوب بما قد يفسد الرضا أو يوقع المشتري في إيهام قد يقتضي الإخلال بالعقد، فيخرج البيع عن حد الإباحة إلى المنع.
وهذا المنع في حقيقته راجعٌ إلى جملةٍ من المحظورات الشرعية، وهم:
أولها: الإخبارُ بخلافِ الواقع في إظهار الخصم على غير حقيقته، وهو من الكذب المحرَّم، لا سيما إذا اقترن به قصدُ الإضلال في المعاملة، وقد تواترَت النصوصُ في ذمِّه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: 28].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» متفق عليه.
ثانيها: إعلانُ الخصم المصطنع والذي من شأنه أن يُوهمَ المشتري بوجودِ تنافسٍ حقيقي أو نزاعٍ مؤثرٍ في السعر أو الجودة، فيندفع إلى الشراء بناءً على هذا التصوُّر، فيتحقق بذلك معنى الغش والتدليس.
قال الإمام الرازي في "مختار الصحاح" (ص: 106، ط. المكتبة العصرية): [(التدليس) في البيع: كتمان عيب السلعة عن المشتري] اهـ.
وقال العلامة محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي في "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين" (8/ 421، ط. دار المعرفة): [الغش بكسر الغين أي: ترك النصيحة والتزيين لغير المصلحة] اهـ.
وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غشَّ فليس مني» أخرجه مسلم، وهو نصٌّ في تحريم كل ما يُفضي إلى خداعِ المتعامل وإيهامه بما ليس في الحقيقة.
وقد نصَّ الفقهاءُ على أن التدليسَ هو كتمانُ العيب أو إظهارُ ما يُوهمُ الكمالَ وليس كذلك، وهو معنى متحقق هنا من جهة إظهارِ صورةٍ غيرِ واقعةٍ للتأثير في إرادة المشتري.
قال شيخ الإسلام ابن حَجَر الهَيْتَمي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/ 393، ط. دار الفكر): [الكبيرةُ الموفيةُ المائتين: الغِشُّ في البيع وغيرِه] اهـ.
وثالثها: أنه داخلٌ في باب النجش المحرَّم؛ إذ النجشُ في اصطلاح الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغرَّ غيره، أو يُظهر من القول أو الفعل ما يرفع رغبة الناس فيها على وجه الخداع.
قال الإمام تقي الدين بن عبد الواحد المَقْدِسِي في "عمدة الأحكام" (ص: 176، ط. دار الثقافة العربية): [هو أَنْ يزيدَ الإِنسانُ في ثمن السلعة أَويمدحَها وليس لهُ رغبةٌ في شرائِها، ولكنْ يريد خِداعَ غيرِهِ] اهـ.
وقد ثبت النهي عنه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تناجشوا»، فأفاد أنَّ كلَّ ما يندرجُ تحت هذا المعنى من صورِ الإيهامِ المؤثِّرِ في الإرادةِ داخلٌ في حيزِ المنع؛ لأنَّ الشريعةَ لا تتعاملُ مع الأفعالِ في ظواهرها المجردة، بل في حقائقها المؤثرةِ في مقاصدِ التعاقد.
كما نقل الإجماعَ على حُرمته وعِصيان فاعِلِه غيرُ واحدٍ مِن العلماء.
قال الإمام ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (6/ 270، ط. مكتبة الرشد): [أجمع العلماءُ أن الناجِشَ عَاصٍ بفِعلِه] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البَرِّ في "التمهيد" (13/ 348، ط. وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب) في النهي عن النجش: [وهذا مِن فِعل فاعِلِه مَكْرٌ وخداعٌ لا يجوز عند أحدٍ مِن أهل العلم؛ لِنَهْيِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن النجش، وقوله: «لَا تَنَاجَشُوا»، وأجمعوا أنَّ فاعِلَه عاصٍ لله إذا كان بالنهي عالِمًا] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض




