تمثل الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، التي اندلعت أواخر التسعينيات وتجددت توتراتها في السنوات الأخيرة، أحد أخطر النزاعات في منطقة القرن الإفريقي لما لها من انعكاسات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة. فهذه الحرب لم تكن مجرد نزاع حدودي حول "مثلث بادمي" الذي يُعد شريط حدودي صغير يقع بين إثيوبيا وإريتريا، بل كانت تعبيراً عن صراع نفوذ، وارتباطات إقليمية ودولية متشابكة، جعلت من القرن الإفريقي مسرحاً لتقاطع مصالح القوى الكبرى.
على الصعيد السياسي والأمني، أدت الحرب إلى تفكك الثقة بين دول المنطقة وزادت من هشاشة التحالفات الإقليمية. فإثيوبيا، التي كانت تسعى لتثبيت مكانتها كقوة إقليمية كبرى بعد تفكك النظام الشيوعي، وجدت نفسها محاطة بتوترات مع إريتريا والسودان والصومال، ما أضعف دورها كوسيط في الأزمات الإفريقية. أما إريتريا، فقد تبنّت سياسة انغلاقية وعدائية تجاه جيرانها، ما أدى إلى عزلها إقليمياً وفرض عقوبات دولية عليها لاحقاً بسبب دعمها لمليشيات في الصومال.
اقتصادياً، استنزفت الحرب موارد البلدين، حيث أنفق الجانبان مليارات الدولارات على التسلح في وقت كانت فيه شعوبهما بحاجة ماسة إلى التنمية والبنية التحتية. توقفت حركة التجارة عبر ميناء عصب، وهو الشريان البحري الحيوي لإثيوبيا، مما أجبر أديس أبابا على الاعتماد على موانئ جيبوتي ورفع تكاليف النقل والتجارة الخارجية. هذا بدوره زاد من هشاشة اقتصادات المنطقة المعتمدة على المساعدات الأجنبية والموارد المحدودة.
إقليمياً، ساهمت الحرب في إعادة رسم موازين القوى في القرن الإفريقي. فقد فتحت الباب لتدخلات خارجية من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، كلٌّ يسعى لترسيخ نفوذه في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي. كما أدت التوترات المتكررة إلى تدفقات لاجئين نحو السودان واليمن، ما خلق عبئاً إنسانياً وأمنياً جديداً في محيط يتسم أصلاً بالاضطراب.
أما على المدى الاستراتيجي، فقد كشفت الحرب هشاشة النظام الإقليمي الإفريقي وعجز الاتحاد الإفريقي عن منع النزاعات بين أعضائه. كما زادت من حدة التنافس بين أديس أبابا وأسمرة على النفوذ في الصومال والسودان، وهي منافسة تتجدد اليوم في ظل الصراع الداخلي الإثيوبي في تيغراي ومواقف إريتريا الداعمة له.
إن تداعيات الصراع بين إثيوبيا وإريتريا لا تزال تلقي بظلالها على القرن الإفريقي، حيث تحولت المنطقة إلى بؤرة تنافس دولي وصراع على الممرات والموانئ والموارد المائية. وبغياب حلول سياسية شاملة، تبقى المنطقة رهينة نزاعات الماضي التي تتجدد بأشكال جديدة، تهدد أمن البحر الأحمر واستقرار القارة الإفريقية بأسرها.
وهكذا يبقى القرن الإفريقي مرآةً لصراعاتٍ لم تُطفأ نيرانها بعد، تتبدّل وجوهها لكن جذورها واحدة: نزاع على النفوذ والمصالح. فبين رياح الأطماع وسكون الأمل، يظل السلام الحقيقي مؤجلاً، ينتظر لحظة وعيٍ تدرك فيها الشعوب أن التنمية وحدها هي النصر المؤكد الذي لا يُهزم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
