أحاول يا سيدي استيعاب ضخامة المعضلات الاقتصادية التي نواجهها اليوم أنا هنا أتحدث عن المعضلة الإنسانية في وجهها الأرقى والأعم والأكثر شمولاً بعيداً عن الأيديولوجيات والنظرات الصدامية المحلية الضيقة التي قد يسيء البعض الظن أني أقصدها في حين أني أترفع تماماً الان عن الخوض في أي شيء أدنى من الإنسانية مرتبة أريدك أن تتصور جدالاً يحدث بين ادم سميث وماركس ولكن تحت تهديد جيش من الروبوتات يتجهز ليأخذ وظائف العمال التي حارب عليها ماركس وسعى سميث لتقسيمها هل تظنهما سيكونان بنفس رفاهية جدليات الماضي أمام هذا الخطر الداهم على فرص العمل نعود لنتساءل لماذا نحن هنا فهذا السؤال ليس سؤالاً وجودياً مجرداً ولكنه أصل من أصول فهم الفلسفة والتاريخ والاقتصاد إنها دعوة لننظر معاً كبشر إلى الأسباب والمسارات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه ولنفهم ما الذي أحدثته النظريات الاقتصادية وتوجهاتها المتعاقبة بالإنسانية نريد أن نبحر في رحلة في أغوار التاريخ الإنساني نستحضر فيها معاناة البشرية عبر العصور من عناء الفلاح المنطوي خلف محراثه في صمت الأرض إلى صرخة العامل المنسي أمام تروس الآلة العملاقة التي تزداد تضخماً وتجبراً عليه يوماً بعد يوم إلى عصر العولمة والتكنولوجيا واستخدام الآلة كمساعد ثم انقلاب الالة على صانعيها محققة نبوءة فيلم ماتريكس لقد عانت البشرية طويلاً في سعيها الدؤوب للبحث عن حياة مستقرة حاربت الفيضانات المدمرة وتجرعت مرارة الجفاف والجوائح والأزمات لكنها واصلت صمودها الأسطوري هذا الكدح البشري لم يكن مجرد أرقام جافة في دفاتر الحسابات بل كان دماً ودموعاً أرخها الأدباء في أعمالهم فنجد أصداءه الحزينة في مأساوية شخصيات دوستويفسكي المطحونة بالفقر والديون وفي أزقة لندن المظلمة التي صورها تشارلز ديكنز حيث تئن عمالة الأطفال تحت وطأة الجوع والحرمان لنبدأ من الجذور في فترات التاريخ الأولى لم يكن الاقتصاد رفاهية أو معادلات رياضية معقدة بل كان مسألة حياة أو موت. في مصر الفرعونية وبلاد ما بين النهرين واليونان القديمة تمحورت إدارة الموارد حول تلبية الاحتياجات الأساسية المسكن المأكل وحبس مياه الفيضان لتأمين قمح الشتاء كان نظاماً يقوم في جوهره على الكفاف والاستقرار المجتمعي وتأمين الاحتياجات الإنسانية الأولية لكن مع بزوغ فجر الثورة الصناعية انقشع ضباب العصور القديمة ليحل محله دخان المصانع المتصاعد ذلك الدخان الأسود الذي اختلط في مفارقة صارخة بسيجار مالكيه أصبح هذا الدخان هو المحرك الفعلي الذي يقود الإنتاج وبات الربح هو المايسترو الخفي الذي يوجه قطار الاستثمار لا الاحتياجات الإنسانية الأساسية تزامناً مع هذا التحول ظهر آدم سميث نبي الرأسمالية الأول ليضع في كتابه ثروة الأمم القواعد الجديدة للعبة دشن سميث بمنطقه الجديد عصر الحرية الاقتصادية وقواعد تقسيم العمل مستشهداً بمثاله الكلاسيكي الشهير عن مصنع الدبابيس كيف يمكن لعشرة عمال متخصصين أن ينتجوا آلاف الدبابيس في يوم واحد بعد أن كان العامل الواحد بالكاد ينتج عشرين دبوساً بمفرده ولم يقف الحد عند هذا المصنع الصغير، بل امتد المفهوم ليشمل تقسيم العمل بين الشعوب والأمم كافة
أبهرت هذه الكفاءة والإنتاجية الفائقة العالم لكنها في الوقت نفسه فتحت صندوق باندورا للنقاشات الأخلاقية والسياسية حول عدالة توزيع الثروة تسببت هذه الطفرة في شرخ تاريخي عميق بين معسكر الرأسماليين الذين يملكون أدوات الإنتاج، ومعسكر العمال الذين لا يملكون سوى عرق جبينهم وهو الخلاف الذي عمقه لاحقاً بزوغ شمس كارل ماركس في نقده اللاذع والتشريحي لرأس المال ليدخل العالم في صدام حاد، صاخب ومستمر لما يقارب 150 عاماً من الصراعات الفكرية والحروب عندما تسحق الرأسمالية عناصرها اليوم نجد أنفسنا أمام تسارع مرعب يتجاوز أعتى حدود الخيال الرأسمالية لا تنتصر هنا إنها تسحق عناصر الإنتاج سحقا لم يعد التغيير ميكانيكياً ووِئيداً كما سلف بل أصبح متسارعاً بشكل أسي وإذا كان عالم الرياضيات تشارلز بابيدج الذي يعتبر الأب الروحي للحاسوب قد ذهل في القرن التاسع عشر من قفزات الإنتاجية الميكانيكية فماذا عسانا أن نقول اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي ماذا عسانا فاعلون مع هذا المارد الجديد الذي يسحق كل يوم مؤهلاتنا ويفوق قدراتنا البشرية التي باتت تتضاءل وتتراجع بجانبه كيف نعاديه على إنتاجيته المذهلة وكيف نواكبه على محدودية قدراتنا
إننا نقف في مفترق طرق حاسم وغير مسبوق حيث تكتسح التكنولوجيا العلاقات التقليدية والراسخة للإنتاج وتفاقم المعضلة التاريخية الخاصة بـ عنصر العمل ذلك العنصر الإنساني الحي الذي قامت على أكتافه وعرقه أمجاد الرأسمالية وأحلام الاشتراكية وتوشك اليوم إمبراطورية رأس المال بعد أن نحت اليسار جانباً وقضت عليه وبغطرسة خوارزمية باردة أن تستغني عنه تماماً إن المفارقة المرعبة والوجودية التي نواجهها الآن هي كيف يمكن للرأسمالية أن تتوازن في ظل انفجار سكاني هائل وزيادة مطردة في المعروض من الأيدي العاملة الباحثة عن رمق الحياة في مقابل آلات ذكية لا تطلب أجراً لا تمرض لا تكل ولا تشيخ بل تزداد مع مرور الثواني قوة وكفاءة وذكاء إن هذا التناقض الصارخ والمحتدم يضع الحكومات والأسواق العالمية أمام خيارين لا ثالث لهما إما إعادة صياغة جذرية وشجاعة لطريقة عمل الاقتصاد العالمي لتخفيف الضغوط المتوقعة على البشر أو الاستسلام لمواجهة اختلال هائل ومدمر قد يعصف باستقرار المجتمعات الإنسانية من جذورها
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض