عضو جمعية الصداقة الصينية..قواسم تاريخية وحضارية مشتركة وعلاقات عميقة ممتدة بين مصر والصين
قالت الدكتورة سحر عبد العزيز سالم أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارى الإسلامية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية وعضو جمعية الصداقة المصرية الصينية أن هذا العام يتوافق مع الذكرى السبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر والصين عام 1956 ، وقد جمعت بين الحضارتين العريقتين المصرية والصينية منذ القدم، قواسم تاريخية مشتركة عديدة، من أهمها أن كلاً من الحضارتين كانت زراعية، قامت على الأنهار، كما أن كلاً منهما قد عُرفت بأنها كونت دولاً ذات مؤسسات قوية عميقة سواء من حيث الجيوش الوطنية أو القضاء أو المعابد الدينية أو الوزارات والتقسيمات الإدارية.
وأضافت أن كل ذلك شكل الامبراطوريات العظيمة التي لم تكن امبراطوريات عدوانية على الإطلاق بل دفاعية ولم تخرج خارج حدودها للغزو والإستعباد وابتليت بالاعتداء الخارجي في كثير من حقب التاريخ، فكل منهما طالما تعرضت للهجوم والاحتلالات حتى الإستعمار في العصر الحديث. بل أن أشد أنواع الخطر الذى تعرضت له كل من مصر والصين في العصور الوسطى، والذى تمثل في المغول، كان مشتركاً وكذلك في العصر الحديث عندما تعرض كل من البلدين للإستعمار الانجليزى.
وأوضحت أن كل من المقاومة المصرية والصينية منذ القدم إنما تتمثل في جناحين الأول هو جناح المقاومة العسكرية والشعبية والثانى هو جناح المقاومة الحضارية القادرة على اخضاع أي محتل تحت لوائها، لتهضمه وتذيبه تماماً. ومن القواسم المشتركة أيضاً بين مصر والصين قديماً، نظرة المصريين والصينيين إلى الحاكم ذات الطابع الإلهى، فالإمبراطور الصينى كان يلقب بابن السماء وإله السماء وهو ما يتشابه مع فراعين مصر القديمة. وكان الحاكم في كل من البلدين يحكم بما يشبه التفويض الإلهي. وشكلت الأرقام والأعداد في الوجدان الشعبى في كل من مصر والصين أهمية كونية كبيرة منذ القدم، وما زال أبناء الصين يؤمنون بالقوة الروحية للأعداد.
وأضافت " كما كانت الرموز هامة في الفنون والتاريخ الصينى لا سيما الرموز الحيوانية ولعل أشهرها التنين ،وكذلك في مصر، حيث كان الصقر (حورس) هو الرمز المصرى الممتد بأنواعه في العصر الحديث. أيضاً تشابهت الكثير من الأساطير الصينية القديمة كأسطورة الطوفان مع أساطير مصر وأهمها (نون) التي تتمحور فكرتها حول المياه الأزلية التي سيعود إليها العالم في نهاية المطاف.
وأكملت " كانت المرأة ومكانتها في مجتمعها، قاسماً مشتركاً جديداً، ففي مصر كانت إيزيس وأسطورتها بمثابة انطلاقة للحضارة المصرية، كما عرفت مصر قديماً بأنها بلد الملكات وحتى في العصر الإسلامي، فقد ظهرت السلطانة العظيمة شجر الدُر، ووصولاً إلى العصر الحديث، فنطالع في صفحات الكتب مظاهر نضال المرأة المصرية من أجل الوطن. وفى الصين، كانت المرأة الصينية هي التي علمت مجتمعها الزراعة في فجر التاريخ ، كما عرفت كل من المصرية والصينية بكونها محاربة من الطراز الأول في ميادين القتال ضد الأعداء ".
وأضافت سجل التاريخ المصرى القديم أسماء كل من تتى شرى واياح حوتب وحتشبسوت. وفى الصين أتى اسم (فوهاو) كأول اسم لسيدة تم تسجيله في العظام الكهنوتية، فكانت زوجة لملك وكاهنة وأم وقائدة عسكرية. كما نطالع سيرة الامبراطورة الصينية ووتشيان في العصور الوسطى كأعظم من حكم الصين.
وأشارت إلي استخدم المصريون والصينيون الأقعنة واهتموا بها ودفنوها معهم في مقابرهم، فهى كانت ذات قيمة روحانية كبرى لديهم. رأى المصريون القدماء في الأقنعة وسيلة لتعرف الروح على الجسد، أما في الصين فقد ارتدوها في الاحتفالات الدينية لطرد الأرواح الشريرة، ولا تزال مستخدمة في الاحتفالات التراثية الصينية حتى الآن. أما الرقص فكان قاسماً حضارياً مشتركاً بين كل من الشعبين قديماً حيث كان يحمل طابعاً دينياً.
وأكملت كانت القيم الأخلاقية هي أساس الفلسفة الحضارية في كل من مصر والصين، ولا يزال مفهوم الشرف الاجتماعى والوطنى أساساً للثبات والتوازن في كل من الشخصية المصرية والصينية.
وقالت أنه فى المجالات الاقتصادية، كانت كل من مصر والصين على طريقى الحرير منذ أقدم العصور، فالصين في بدايتهما، ومصر وموانيها لا سيما الإسكندرية في نهايتهما. وعادة ما يتسم أبناء المدن والأقطار التجارية بسمات مشتركة من أهمها القدرة على التعايش والتسامح والحوار مع الآخر، والانصهار مع مختلف العرقيات والأجناس وعدم الميل للتعصب.
وونوهت أنه على صعيد العلاقات العميقة بين البلدين فقد كان أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر في منتصف القرن التاسع الميلادى يرجع بأصوله إلى قبائل الطغرغر من الخطا التتار، وموطنهم الأصلى من شمال شرق الصين حتى شمال غربها (ومركزهم كاشغر في إقليم شينغيانغ الحالي). وتأثر فن الخزف المصرى من العصر الطولونى وعلى امتداد العصور الإسلامية حتى نهاية المملوكى، بالخزف الصينى في الألوان والزخارف وكذلك النسيج، كما أخذت مصر الفاطمية صناعة الورق أو الكاغد من الصين بدلاً من البردى، وطورت مصر من خصوصياتها وأضافت عليه.
وألمحت أنه فى العصر المملوكى انخرطت بعض العناصر الصينية الوافدة من خلال التجارة البشرية في جيش المماليك، ومن أبرزهم الأمير أرغون شاه الناصرى الذى نصت بعض المصادر المملوكية على أنه كان من بلاد الصين، بخلاف العديد من الأمراء الذين حملوا لقب (الخطائى) من بلاد الخطا في شمال الصين حالياً.
و أوضحت أن التواجد المصرى في الصين في العصور الوسطى فقد كان جلياً وذكر ابن بطوطة اسم احدى أكبر العائلات المصرية المستقرة في الصين على زمنه، كما عُثِر على كميات من الخزف الصينى طراز أسرة مينج متأثرة بفن زخارف الخط المملوكى.
وأضافت فى العصر الحديث كانت مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أول من اعترف باستقلال الصين سنة 1956، وفى نفس السنة وفى أعقاب تأميم مصر لقناة السويس، وتعرضها للعدوان الثلاثى، اندلعت المظاهرات الحاشدة في بكين ومختلف المدن الصينية تأييداً لحق مصر في تأميم القناة ولمناصرتها ودعمها أمام هذا العدوان ، وتوالت الزيارات الرسمية الصينية لمصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
وأكدت أن العلاقات أزدادت عمقاً ووثاقة في العقدين الأخيرين بعد انضمام مصر إلى (منتدى التعاون الصينى الأفريقي) وترأسها دورة المنتدى من سنة 2009 حتى 2012 واستضافتها له في شرم الشيخ، ومشاركتها الفعالة في أعمال المنتدى التاسع الذى عقد في بكين من 4-6 سبتمبر 2024 ، فضلاً عن زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى للصين عام 2024. وترتبط مصر بمشاريع ضخمة مع الصين في البنية التحتية والاستثمارات الصناعية مما جعل العلاقة المصرية بالصين تتسم بكونها علاقة مميزة لا سيما في مجال العلاقات الصينية الأفريقية، وهى أشبه ما تكون بالشراكة الاستراتيجية الشاملة والتكاملية، فكل طرف يكمل الآخر من خلال التوافق السياسى والاستراتيجى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض