في تقديري المتواضع، يمثل مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد خطوة مهمة طال انتظارها، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا واسعًا للنقاش المشروع حول كيفية تحقيق التوازن بين تحديث التشريع وبين الحفاظ على استقرار الأسرة وعدم خلق أزمات جديدة تحت مسمى الإصلاح.
لا يمكن إنكار أن منظومة الأحوال الشخصية الحالية، رغم أهميتها، أصبحت بحاجة إلى مراجعة شاملة بعد تراكم سنوات طويلة من المشكلات العملية داخل المحاكم، سواء في قضايا الطلاق أو الحضانة أو النفقة، فبطء التقاضي، وتعدد النزاعات، وطول أمد القضايا الأسرية، كلها عوامل أثرت بشكل مباشر على الطرف الأضعف في كثير من الحالات، وعلى رأسهم الأطفال، وهو ما يجعل فكرة التطوير أمرًا ضروريًا وليس رفاهية تشريعية.
ومن وجهة نظري، فإن التعديل الأهم في هذا المشروع يتمثل في إعادة الاعتبار لمبدأ “مصلحة الطفل أولًا” في قضايا الحضانة، بدلًا من الجمود على قواعد تقليدية قد لا تعكس دائمًا الواقع الاجتماعي المتغير، لكن في المقابل، فإن تطبيق هذا المبدأ يظل هو التحدي الحقيقي، لأن معيار “المصلحة” واسع ومرن، وقد يختلف تفسيره من حالة لأخرى، ما يتطلب وجود آليات دقيقة وواضحة تمنع التقدير العشوائي أو التضارب في الأحكام.
أما فيما يتعلق بملف النفقة، فأرى أن الاتجاه نحو تطوير آليات التنفيذ وتقليل الاعتماد على عقوبة الحبس خطوة إيجابية من حيث المبدأ، خاصة إذا تم استبدالها بوسائل أكثر فعالية مثل الخصم المباشر أو الأنظمة الإلكترونية، لكن نجاح هذا التوجه مرتبط بمدى قدرة الدولة على ضمان سرعة التنفيذ وعدم تسويف الحقوق، لأن أي تأخير في وصول النفقة يعني في النهاية تحميل الطرف المستحق أعباء إضافية.
وفيما يخص مقترح “الاستضافة” بدلًا من نظام الرؤية التقليدي، فإنني أراه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توازن شديد في التطبيق، فمن ناحية، هو يعكس محاولة إيجابية لتعزيز دور الأب في حياة الأبناء بعد الانفصال، وكسر الصورة النمطية للعلاقة المحدودة بين الطرف غير الحاضن وأطفاله، لكن من ناحية أخرى، فإن توسيع هذا الحق دون ضوابط واضحة قد يخلق حالة من الاضطراب في حياة الطفل، خاصة إذا لم تُراعَ ظروفه النفسية والاستقرار اليومي الذي يحتاجه في هذه المرحلة الحساسة.
تشديد الضوابط على الزواج العرفي وربط الحقوق بالتوثيق الرسمي أراه توجهًا ضروريًا لحماية المرأة والأطفال، وتقليل النزاعات المتعلقة بإثبات الحقوق والنسب، فغياب التوثيق الرسمي في كثير من الحالات كان سببًا مباشرًا في إطالة أمد القضايا وخلق مشكلات اجتماعية معقدة.
وأعتقد أن مشروع القانون في مجمله يعكس رغبة حقيقية في الإصلاح، لكنه يحتاج إلى قدر أكبر من الحوار المجتمعي المتعمق قبل إقراره بصيغته النهائية، فالتشريع في مثل هذه القضايا لا يجب أن يُبنى فقط على رؤية قانونية، بل على فهم دقيق لطبيعة المجتمع، وقدرته على استيعاب التغيير دون صدام أو ارتباك.
وفي النهاية .. نجاح هذا القانون لن يُقاس فقط بجودة مواده، بل بقدرته على تحقيق المعادلة الصعبة بين حماية حقوق الأطراف، وصون استقرار الأسرة، وضمان ألا يكون الطفل هو الضحية الأولى لأي خلاف تشريعي أو تطبيقي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض