رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

فى كل مرة يظن فيها المواطن المصرى أن أعباء الحياة وصلت إلى أقصى حدودها، يفاجأ بفاتورة جديدة، أو قرار جديد، أو إجراء جديد يطول جيبه وأعصابه معاً. وبين ارتفاع فواتير الكهرباء بعد إلغاء نظام الشرائح على العدادات الكودية، وتعقيدات التصالح فى مخالفات البناء، يعيش ملايين المصريين حالة استنزاف يومى جعلت المواطن يشعر بأنه يدفع ثمن كل شىء وحده.

الكهرباء التى كانت يوماً خدمة أساسية يمكن للأسرة البسيطة تدبيرها، تحولت إلى مصدر قلق شهرى. وكثير من أصحاب العدادات الكودية فوجئوا بقفزات هائلة فى قيمة الاستهلاك بعد إلغاء بعض المزايا المرتبطة بالشرائح، حتى أصبحت الفاتورة بالنسبة لبعض الأسر أشبه بقسط إضافى للحياة نفسها. المواطن البسيط لا يفهم تعقيدات التسعير ولا فلسفة إعادة الهيكلة، لكنه يفهم جيداً أن دخله لم يرتفع بالسرعة نفسها التى ترتفع بها الفواتير.

المشكلة ليست فقط فى الأرقام، بل فى الإحساس العام بأن المواطن أصبح محاصراً من كل اتجاه؛ أسعار الغذاء ترتفع، والخدمات ترتفع، ثم تأتى الكهرباء لتضيف مزيداً من الضغط على أسرة بالكاد تنجو من نهاية كل شهر. وحين تتحول العدادات الكودية — التى كان يفترض أن تكون خطوة لتنظيم الأوضاع — إلى مصدر فواتير صادمة، يشعر الناس بأن التنظيم نفسه أصبح عقوبة.

وفى الجهة الأخرى يقف ملف التصالح فى مخالفات البناء، ذلك الملف الذى تحول عند كثير من المصريين إلى رحلة طويلة من القلق والإنهاك. آلاف المواطنين الذين بنوا بيوتاً بسيطة خوفاً من الإيجارات أو بحثاً عن مأوى لأولادهم، وجدوا أنفسهم أمام دوامة من الإجراءات والرسوم والتقارير الهندسية والأوراق التى لا تنتهى. المواطن لا يرفض القانون، لكنه يسأل: لماذا يبدو التصالح أحيانا أصعب من المخالفة نفسها؟

المشهد فى بعض القرى والمدن أصبح مؤلماً؛ فثمة أسر باعت ذهبها أو استدانت فقط لتسدد رسوم التصالح أو تدفع أقساط الكهرباء المتزايدة، بينما الخوف من إزالة العقار أو وقف المرافق يطارد الجميع. وكأن المواطن المصرى يعيش فى سباق دائم مع القرارات، لا يملك فيه سوى أن يتحمل ويدفع ويصمت.

الأخطر أن تراكم هذه الضغوط يخلق حالة نفسية من الإرهاق العام، لأن المواطن حين يشعر بأن كل باب يطرقه ينتهى برسوم وغرامات وفواتير، يفقد تدريجياً الإحساس بالأمان الاقتصادى والاجتماعى. والدولة التى تريد الحفاظ على الاستقرار الحقيقى، لا يكفى أن تبنى طرقاً وكبارى ومدناً جديدة، بل عليها أيضاً أن تحافظ على قدرة الناس على الاحتمال.

المصريون شعب صبور بطبيعته، وتحملوا الكثير عبر السنوات، لكن الصبر لا يعنى غياب المعاناة. فحين تتحول الكهرباء إلى عبء، والتصالح إلى كابوس، يصبح السؤال الذى يتردد داخل بيوت كثيرة: إلى متى يظل المواطن هو الحلقة التى تتحمل وحدها تكلفة كل إصلاح وكل خطأ وكل إعادة تنظيم؟

ربما يحتاج الأمر إلى «لفت نظر» حقيقى، لأن التنمية لا تقاس فقط بما يبنى على الأرض، بل أيضاً بقدرة المواطن على العيش بكرامة دون خوف من فاتورة نهاية الشهر أو ملف ينتظر ختماً جديداً فى ممرات المصالح الحكومية.