رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خطبة الجمعة

دعوة الإسلام إلى التراحم

بوابة الوفد الإلكترونية

الحمد لله الذى جعل الرحمة بين عباده صلة وأمانا، وبعث نبيه بالرحمة للعالمين إماما، وشيد به للألفة صرحا ومقاما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وأشهد أن سيدنا محمدا عبدالله ورسوله، كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، وعن الجاهلين عفوا كريما، صلى الله وسلم وبارك عليه، أما بعد، فيا عبدالله:

١- تذوق جمال رحمة الحنان المنان، وهم بجمال لطفه فى رياض الأنس، واشهد خفى الألطاف فى ظواهر النفس، فسبحان من وسعت رحمته الأزمان، وعم جوده الإنس والجان، حتى غدت كل ذرة فى الكون شاهدة بفضل رحمته، وكل نبضة فى القلب موقنة بسابغ نعمته، إذ جعل - سبحانه - الرحمة لعرشه عنوانا، ولخلقه أمانا وحنانا، فقف بباب كرمه وقوف المتأملين، وجل بقلبك فى آيات رب العالمين، لترى كل كائن فى ملكوته قد ذاب حبا فى كريم وداده، وسبح الوجود بأسره تقديسا لعظيم إمداده، مقرا لله بالفضل والجود، ومعترفا له بالكرم المشهود، فيا من يرجو من الله الغفران، ويا من يطمع فى سابغ الإحسان، اعلم أن الله أرحم بعبده من الأم الوالدة بولدها، وأرأف بالخلق من لهفة المرضعة على فقد فلذة كبدها، وفى ذلك يقول الحق سبحانه: {ورحمتى وسعت كل شىء}، ويقول صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».

٢- تنسم عبير الرحمة من الحضرة المحمدية، وتحل بجمال الرحمة فى الجناب النبوى، واقتبس من أنوار الهدى المصطفوى، فهو معدن الألطاف الربانية، فقد كان قلب حضرته يرق للبهيمة المثقلة، ويحزن لليتيم فى حجر الأرملة، يمسح بيمين الرفق دمعة اليتيم، ويجبر بفيض الحنان خاطر المسكين، تجلى لطفه فى الصلاة فخففها لبكاء الصغير، وتسامى كمال رأفته إذ أنكر على من فجع الطير بولدها صيانة لذلك القلب الكسير، فما شق يوما على أصحابه بل كان بهم رؤوفا، ولا أعرض عن سائل بل كان به عطوفا، حتى فاضت رحمته على الجماد فحن إليه الجذع حنين المشتاق، وسرت أنواره فى الأكوان فكان رحمة لكل الخلائق، فكن محمدى الطباع فى الرأفة، ومصطفوى المنهج فى الرحمة، لتمسى روحك مشكاة لهذا الجمال، ويغدو قلبك مرآة لهذا الكمال، مسترشدا بهدى نبيك فى معاملة الأنام، ومقتديا بسيرته فى نشر السلام، لتكون غياثا للضعيف، وسندا لكل عاجز ملهوف، وفى ذلك يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة».

٣- اجعل التراحم سبيلا لعمران الأوطان، وكن فى مجتمعك كالغيث الهطول، وكالنسيم العذب فى الرقة والسكون، فالأمة بجسدها الواحد تتساند، وبقلبها النابض بالود تتعاضد، اجعل من رفقك بالضعفاء بناء، ومن عطفك على المحتاجين وفاء، واجعل لسانك بالقول اللين نورا، وكن فى وجوه البائسين سرورا، فالمجتمعات تبنى بقلوب متآلفة، لا بنفوس عن الخير متخالفة، ارحم صغير الناس لتنال الرفعة، ووقر كبيرهم لتبلغ المنعة، فالتراحم هو جوهر العمران، وبه يشرق نور الإيمان فى كل أوان، فبقيمة الرحمة تبنى المؤسسات، وتزدان الحضارات، فهى مفتاح طلب العلم، والحال الشريف بين التلميذ والأستاذ، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من فى السماء».

٤- أفض برحمتك على كل كائن وروح، ووسع دائرة رحمتك لتعم الأكوان، وكن بروحك غياثا لكل ذى حرمان، فالإيمان الحق لا يعرف القسوة، والقلب المستنير لا يطلب الجفوة، وانظر إلى رحمة الله كيف غفرت الذنب بسقية ماء، ورفعت صاحبها إلى أعلى سماء، فكن للحيوان فى العطش ساقيا، وللطير عند الفزع حاميا، وكن لليتيم فى الحزن صدرا، ولخاطر المسكين فى الكسر جبرا، فما نزعت الرحمة إلا من شقى، وما نالها إلا كل تقى نقى، فاستبشر بعطاء الله الجزيل، وفضله الوافر الجميل، وفى ذلك يقول الحق: {إن رحمت الله قريب من المحسنين}.