بالتهميش؛ لا نخسر رموزنا فقط، بل نصنع فجوة خطيرة بين الأزمنة.
فبدلا ً من أن تكون الرموز جسراً يربط الماضي بالحاضر، ويُنقل من خلالها الوعي، وتُبنى بها القيمة .. إذ بنا نحوّلها - دون أن نشعر - إلى نقاط انقطاع.
فينشأ جيل لا يعرف من سبقه،
ولا يشعر بامتداد ٍ لما يعيشه،
فتضعف الصلة، ويتراجع الأثر.
بينما الحقيقة البسيطة التي غابت عنا: أن قوة أي مجتمع لا تأتي من الجديد وحده؛ بل من قدرته على ربط الأزمنة .. لا فصلها.
لا تُفقد الهوية في لحظة، ولا تسقط مع خبر وفاة؛ بل تبدأ في التآكل بصمت، حين نُهمّش رموزنا وهم بيننا، وننصرف عنهم إلى ما هو أسرع حضورا ً لا أعمق أثرا ً.
برحيل هاني شاكر ؛؛
لا نقف فقط أمام فقد فنان، بل أمام لحظة كاشفة تُجبرنا على مراجعة أنفسنا.
لم يكن مجرد صوت؛ بل امتدادا ً لمدرسة كاملة في الغناء حافظت على ملامح الفن المصري، وصانت ذوقه العام من الانزلاق، وتمسكت بخيط رفيع بين الأصالة والتطور.
لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بصدق أننا لم نفقده اليوم فقط؛ بل بدأنا نفقده منذ سنوات، حين تغيّرت معاييرنا، واختلطت مفاهيمنا، وتراجع حضور الرمز .. لا لأنه غاب، بل لأننا انصرفنا عنه.
وهنا تتكشف الحقيقة التي نتجنب الاعتراف بها .. أن فقدان الهوية لا يبدأ من لحظة رحيل الرمز؛ بل من لحظة تهميشه في وعينا وهو ما زال حيا ً.
حين يتحول الرمز من “مرجع” إلى “ذكرى مؤجلة”، ومن حضور مؤثر إلى اسم يُستدعى فقط عند الحاجة، نكون قد بدأنا أولى خطوات فقدان هويتنا دون أن نشعر.
فالهوية لا تُبنى بالأسماء؛ بل بالاعتراف بقيمتها، والتمسك بحضورها في الوعي الجمعي.
وعندما نتوقف عن ذلك، نُفرغ المشهد بأيدينا من معاييره الحقيقية، ونتركه مفتوحا ً لكل ما هو عابر ومؤقت.
وهكذا ؛؛
لا يموت الرمز أولا ً، بل تموت مكانته داخلنا.
ومع غياب هذه المكانة، يختفي المعيار، ويصبح كل شيء قابلا ً للصدارة .. حتى لو لم يكن يستحق.
وهنا لا يكون الخطر في وجود الجديد؛ بل في غياب الميزان الذي نزن به هذا الجديد.
فتتحول الساحة إلى ضجيج،
وتعلو الأصوات، بينما يختفي الأثر.
الأخطر أن هذا لا يتوقف عند الفن، بل يمتد إلى الإعلام، والتعليم، وحتى القدوة اليومية.
فنجد أنفسنا أمام مشهد يبدو ممتلئا ً.. لكنه في الحقيقة فارغ من المعنى.
وهنا يصبح السؤال ضرورة لا تحتمل التأجيل:
متى نحافظ على رموزنا وهم بيننا، بدلا ًمن أن نكتشف قيمتهم بعد رحيلهم ونتحول للرثاء بدلا ً من الثناء؟
متى ننتقل من رد الفعل إلى الفعل؟
من الانبهار إلى الوعي؟
من الاستهلاك إلى الاختيار؟
الحقيقة التي لا نحب مواجهتها، أننا لا نفقد رموزنا حين يموتون،
بل نفقدهم حين نكفّ عن الإهتمام والاقتداء بهم .
ثم نعود لنبكيهم بصدق، لكن بعد أن نكون قد شاركنا - دون أن نشعر - في تهميشهم.
برحيل هاني شاكر…
لا يجب أن يكون السؤال: من التالي .. بل السؤال الأصدق والأقسى:
كم رمزا ً ما زال حيا ً بيننا الآن .. نُهمّشه بصمت، ونؤجّل الاعتراف بقيمته حتى يفوت الأوان؟
الكارثة ليست في الموت .. بل في أن نموت نحن وعيا ً، ونظل نظن أننا أحياء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض