قرار الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، بتشكيل "المجلس الوفدي للقبائل والعائلات المصرية" برئاسة الشيخ كامل مطر، لم يكن مجرد خطوة تنظيمية عابرة أو استجابة ظرفية لاعتبارات سياسية مؤقتة، بل يمكن قراءته باعتباره عودة واعية إلى الجذور، واستدعاءً لروح تاريخية أسهمت في تشكيل أحد أعمدة الحركة الوطنية المصرية.
فحزب الوفد على مدى تاريخه، لم يكن مجرد كيان سياسي تقليدي، بل مثّل وجدان الأمة المصرية بمختلف مكوناتها، من الحضر إلى الريف، ومن النخب إلى العائلات والقبائل العربية، التي كان لها دور محوري في دعم المشروع الوطني. آنذاك، لم تكن عبارة "بيت الأمة" مجرد شعار، بل واقعًا حيًا تجسدت فيه وحدة الانتماء الوطني مع البنية الاجتماعية، تحت راية الاستقلال والكرامة.
وتُعد تجربة حمد باشا الباسل، أحد أبناء قبيلة الرماح العربية، نموذجًا واضحًا على عمق هذه العلاقة؛ فقد كان من أوائل المنضمين إلى صفوف الوفد، وارتبط اسمه بالحركة الوطنية منذ لقائه بالزعيم سعد زغلول عام 1908 خلال زيارته للفيوم. وقد حظي الباسل بإعجاب زغلول، ليس فقط لشجاعته، بل أيضًا لدوره في دعم التعليم، حيث أسس مدرسة حملت اسمه، في وقت كانت فيه مبادرات التعليم الأهلي تمثل ركيزة للتنوير.
ومع تأسيس الوفد عام 1918، أصبح الباسل من أبرز أعمدته، واستضاف في منزله العديد من الاجتماعات التأسيسية، قبل أن يتم اعتقاله مع سعد زغلول وعدد من القيادات ونفيهم إلى مالطا في مارس 1919، في واقعة أشعلت شرارة الثورة الشعبية. ورغم ما شهدته تلك المرحلة من اختلافات في الرؤى، خاصة بشأن التفاوض مع الاحتلال البريطاني، فإن الباسل ظل وفيًا للوفد، وعاد لتحمل المسؤولية في لحظة فارقة، استجابة لنداء زغلول، ليواجه الاعتقال مجددًا، ويُحكم عليه بالإعدام قبل أن يُخفف الحكم تحت ضغط شعبي واسع.
هذا التاريخ المشترك يعكس حجم الدور الذي لعبته القبائل العربية، خاصة في الصعيد وسيناء ومطروح والوجه البحري، خلال ثورة 1919، حيث لم يقتصر حضورها على الدعم الرمزي، بل امتد إلى المشاركة الفعلية في الحشد والتعبئة، وتوفير غطاء اجتماعي وسياسي للحركة الوطنية، انطلاقًا من وعي عميق بأن معركة الاستقلال تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى فضاء الوطن الأوسع.
ومن هنا، فإن إعادة إحياء هذا الامتداد بين حزب الوفد والقبائل المصرية تحمل دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة إلى آفاق المستقبل. فالمجتمع المصري، رغم ما شهده من تحولات، لا يزال يحتفظ ببنيته الاجتماعية التي تلعب فيها العائلات والقبائل دورًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العام.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنشاء كيان جديد، بل في قدرته على الفعل والتأثير، بحيث يتحول إلى منصة للحوار والتكامل، بعيدًا عن التوظيف الضيق أو الحصر في الأدوار الانتخابية. فنجاح هذه الخطوة مرهون بقدرتها على تعزيز المشاركة السياسية الواعية، ودعم الاستقرار المجتمعي، وإحياء مفهوم العمل العام القائم على الشراكة لا الاستقطاب.
كما تمثل هذه المبادرة فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الأحزاب السياسية والبنية الاجتماعية التقليدية، على أسس من الاستمرارية والمصالح الوطنية المشتركة، بدلًا من الارتباط الموسمي. وهي أيضًا رهان على استثمار رصيد تاريخي من الثقة يمكن أن يُبنى عليه مستقبل أكثر تماسكًا.
اليوم، يقف «بيت الأمة» أمام فرصة حقيقية لاستعادة دوره التاريخي، ليس فقط كحزب عريق، بل كإطار جامع يعيد التوازن بين السياسة والمجتمع، وبين الحداثة والجذور. وإذا ما أُحسن توظيف هذه المبادرة، فقد نشهد نموذجًا جديدًا يعزز التماسك الداخلي في لحظة إقليمية ودولية تتطلب ذلك بشدة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأمم التي تستلهم تاريخها بوعي، لا لتتوقف عنده، بل لتبني عليه، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر قوة واستقرارًا. وربما يكون هذا القرار بداية لفتح صفحة جديدة… بروح مختلفة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض