أنا حر
أثارت قضية الدكتور ضياء العوضي رحمه الله ونظريته المعروفة بنظام الطيبات جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية والاجتماعية في المنطقة العربية، حيث ارتكز هذا المنهج على تصنيف الأطعمة إلى طيبات مسموحة وخبائث ممنوعة بناءً على تأويلات لنصوص دينية وربطها بفسيولوجيا الجسد. ولتقييم هذه التجربة بشكل موضوعي، يجب أولاً استعراض الجوانب التي قد تحمل وجهاً من الصحة، وهي دعوته الصريحة للابتعاد عن الأطعمة المصنعة والزيوت المهدرجة والمواد الحافظة، وهو توجه يتفق فيه تماماً مع العلم الحديث ومنظمة الصحة العالمية التي تحذر من الأطعمة فائقة المعالجة لارتباطها المباشر بأمراض العصر مثل السمنة والسكري. لكن هذا الطرح، في جوهره العلمي والوقائي، لا يعد ابتكاراً أو اختراعاً حديثاً، بل هو إعادة صياغة لآراء طبية ومدرسية معروفة منذ عقود في الأوساط الأكاديمية العالمية، ولم يأتِ هذا النظام بجديد سوى في طريقة التغليف والمصطلحات المستخدمة. إن فكرة استبعاد الأطعمة المهيجة للالتهابات أو تلك التي تسبب حساسية خفية هي بروتوكولات علاجية مطبقة بالفعل في مراكز علاج أمراض المناعة الذاتية تحت مسميات مختلفة مثل حمية الإقصاء، مما يجعل من طريقة الطيبات مجرد صدى لمنهج علمي قائم وليس كشفاً طبياً لم تسبقه إليه الأمم.
ومع ذلك، تظهر علامات المبالغة في طريقة الطيبات عند الدخول في تفاصيل المنع والتحريم لسلع غذائية أساسية لا يوجد دليل علمي رصين على ضررها الكلي، مثل البقوليات أو بعض أنواع الخضروات، حيث يتم تعميم الضرر بناءً على حالات فردية أو نظريات غير مثبتة مخبرياً بشكل كافٍ. إن حصر الغذاء في قائمة ضيقة جداً قد يؤدي إلى نقص في المغذيات الدقيقة على المدى الطويل، وهو ما يثير قلق خبراء التغذية الذين يرون أن التنوع الغذائي هو الركيزة الأساسية للصحة.
ومن علامات المبالغة في طريقة الطيبات ، تجاوز الحقائق الطبية المستقرة للدخول في تفاصيل المنع والتحريم لسلع غذائية أساسية وضرورية، مثل البقوليات وبعض أنواع الخضروات، حيث يتم تعميم الضرر بشكل قاطع بناءً على حالات فردية أو نظريات لم تحظَ بتجارب سريرية مثبتة مخبرياً وفق المعايير العلمية ، وهو ما يثير قلق خبراء التغذية الذين يرون أن التنوع الغذائي هو الضمانة الوحيدة لصحة الإنسان، كما نرى في تجارب الأمم السابقة التي قامت حضاراتها على محاصيل كالعدس والفول والحبوب الكاملة دون أن تسجل كوارث صحية ،وهنا تبرز إشكالية ما يمكن وصفه بالفتنة الغذائية، حيث يتم خلط المفاهيم العلمية بالتأويلات الدينية بطريقة توحي للمتلقي بأن الاختيارات الغذائية هي معارك بين الحق والباطل، أو بين الطيب والشرير، مما يمنح هذه النظرية صبغة قدسية تحميها من النقد العلمي البحت. إن استخدام لغة جازمة في وصف بعض الأطعمة الفطرية بأنها خبائث هو خطأ من الناحية العلمية، فالعلم بطبعه متغير وقابل للتعديل، أما إلباسه ثوب اليقين المطلق فهو نوع من الوصاية الفكرية التي قد تؤدي إلى نشوء حالات من الهلع الغذائي أو ما يعرف بالأورثوريكسيا، حيث يصبح الفرد مهووساً بنقاء طعامه لدرجة تضر بصحته النفسية والاجتماعية.
وعند تقييم أثر هذه التجربة على المجتمع، نجدها تجربة مركبة الأبعاد ، فهي من ناحية نجحت في تحريك المياه الراكدة وزيادة الوعي الشعبي بمخاطر الوجبات السريعة والسموم البيضاء، لكنها من ناحية أخرى أحدثت انقساماً وارتباكاً في البيوت العربية تجاه أطعمة اعتادت عليها الشعوب لآلاف السنين. الدروس المستفادة من تاريخ الطب وتجارب الشعوب حول العالم تؤكد أن الاعتدال هو القاعدة الذهبية، وأن تحريم ما أحل الله من الطيبات الفطرية بموجب استنتاجات فردية غير موثقة يفتح الباب أمام اجتهادات طبية غير منضبطة.
وبالانتقال إلى البعد التطبيقي لهذه التجربة، سنجد أن المائدة تحولت من مساحة للألفة والاجتماع الإنساني إلى حقل تجارب يسوده القلق والشك في كل لقمة. إن هذا النهج الذي يعتمد على الترهيب من الطعام يغفل حقيقة أن الأجسام البشرية تمتلك قدرة هائلة على التكيف والترميم إذا ما توفرت لها العناصر الأساسية باعتدال، وأن تعميم حالات الحساسية الفردية لتصبح قانوناً عاماً يحرم الملايين من فوائد الألياف والبروتينات النباتية الموجودة في البقوليات، هو نوع من المغالطة العلمية التي تضرب بعرض الحائط آلاف الدراسات التي تثبت دور هذه الأطعمة في الوقاية من أمراض القلب والسرطان.
وإذا نظرنا إلى تجارب الأمم من حول العالم، سنجد أن شعوباً مثل سكان حوض البحر المتوسط، الذين يضرب بهم المثل في طول العمر وجودة الحياة، لم يعتمدوا يوماً على قوائم الممنوعات المطلقة، بل كان التنوع هو سر تميزهم ، حيث الاعتماد على زيت الزيتون والبقوليات والخضروات الطازجة. فهل يعقل أن يكون العلم الحديث غائباً عن هذه الشعوب لآلاف السنين ثم يأتي نظام الطيبات ليكتشف أن ما أكلوه كان خبائث؟ إن هذا التناقض يضعنا أمام حقيقة أن هذه التجربة، رغم ما تملكه من جاذبية في طرحها لمكافحة السموم الصناعية، قد وقعت في فخ التعميم ، وتجاهلت أيضاً الأبعاد النفسية والاجتماعية المرتبطة بعملية الأكل.
إن انتشار مثل هذه النظريات دون تمحيص قد يفتح الباب أمام فوضى الفتاوى الطبية التي قد يتضرر منها المريض البسيط الذي يترك أدويته المعتمدة خلف سراب الوعود الغذائية المعجزة. فدعوة الدكتور العوضي لترك الأدوية الكيميائية تدريجياً والاعتماد الكلي على نظام الطيبات كبديل علاجي للأمراض المزمنة هى دعوة شديدة الخطورة، لأنها تمنح المريض أملاً بالشفاء التام من أمراض عضوية معقدة بمجرد تغيير نمط الغذاء، مما قد يدفع مرضى السكري أو ضغط الدم أو المصابين بأمراض مناعية إلى التخلي عن بروتوكولاتهم العلاجية الضرورية، وهو تصرف قد يؤدي إلى انتكاسات صحية كارثية، لمرضى الفشل الكلوي، أو الجلطات، وغيرها ، أو تدهور الحالة الصحية إلى نقطة لا ينفع معها الندم. إن الغذاء، مهما بلغت جودته، يظل عاملاً مساعداً ووقائياً وليس بديلاً عن العلم الصيدلاني الذي تطور عبر قرون من التجارب السريرية والمختبرية لإنقاذ حياة البشر.
إن الالتزام بتعاطي الدواء تحت إشراف طبي دقيق يحمل فوائد لا يمكن تجاهلها، فهو يضمن السيطرة على العمليات الحيوية التي عجز الجسم عن تنظيمها ذاتياً، ويحمي الأعضاء الحيوية من التلف الناتج عن إهمال المرض. فالدواء ليس عدواً للجسم ، والشعوب التي حققت طفرات في متوسط العمر ونوعية الحياة هي تلك التي جمعت بين التغذية السليمة وأحدث ما توصل إليه الطب، ولم تعتمد يوماً على إقصاء أحدهما لصالح الآخر. ومن مخاطر نظلم الطيبات أيضاً الاعتماد على أنصاف الحقائق، لأنه يستند إلى معطيات صحيحة بشأن أضرار الجلوتين أو اللاكتوز لبعض الفئات، لكنه يعمم هذا الاستنتاج ليشمل البشرية كلها، وكأن الجهاز الهضمي البشري نسخة واحدة لا تقبل التنوع.
والخلاصة أن نظام الطيبات يحتوي على دعوة صالحة في التحذير من المواد الحافظة والزيوت المهدرجة، لكنه يحمل أيضاً نهجاً وجب التعامل معه بحذر، وأخذ ما وافق العلم المستقر منه، فالحقيقة دائماً تكمن في الوسط، بعيداً عن صخب الشعارات المتعصبة.والمجتمع بحاجة إلى وعي غذائي حقيقي، لا يقوم على التريند والشطحات الكلامية ، بل على العلم.
وتمتد علامات الشطط في هذا الطرح لتصل إلى منطقة بالغة الغرابة والخطورة، وهي محاولة التشكيك في الأضرار القاطعة للتدخين أو التقليل من شأنها، وهو نوع من التضليل الذي يضرب بعرض الحائط مئات الآلاف من الدراسات السريرية والتشريحية التي أجرتها كبرى الجامعات والمراكز البحثية عبر عقود، والتي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن التبغ هو القاتل الأول في العالم، لدوره المباشر في تدمير الرئتين، وانسداد الشرايين، والتسبب في طفرات جينية تؤدي إلى أنواع شتى من السرطانات.وخطورة هذا الرأي تكمن في كونه يمنح أماناً زائفاً للمدخنين، ويشجعهم على الاستمرار في عادة تدمر أجسادهم وأموالهم، بناءً على تصورات فردية لا تصمد أمام الواقع الطبي المرير الذي يراه الأطباء يومياً في غرف العناية المركزة وأقسام الأورام.
الطيبات ظاهرة تحتاج إلى غربلة علمية دقيقة لفصل نصائحها المفيدة في تجنب السموم الصناعية عن شطحاتها في تحريم الأصول الغذائية والأدوية والسماح بعادات ضارة مثل التدخين او غيره.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض