رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراسلات الأمير ــ الإمام (4)

رسالة سرية من الأمير يوسف كمال إلى الإمام أبوالوفاء الشرقاوي

الإمام والأمير
الإمام والأمير

 

في أحد الأيام وبينما كان الشيخ والإمام أبوالوفاء الشرقاوي أحد قيادات ثورة 1919،  يجلس في ساحته العامرة شمال شرق مدينة نجع حمادي ـ نحو 63 كيلو متر شمال مدينة قنا، تلقي رسالة ..«حضرة الأستاذ الفاضل صباح الخير أرجوكم أن تطلعوا على ما كتبته وليبقى الأمر بيننا، فإن أمكنكم أن تحضروا لتناول العشاء معي في منتصف الساعة السابعة من مساء اليوم لكان ذلك موجبًا لسروري، وقتئذ نتباحث والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» وكان كاتب الرسالة هو الأمير يوسف كمال.

 

وللمزيد من التفاصيل الإطلاع على الحلقات السابقة..

 

 ويبدو أن محتوي الرسالة كان سريًا وهذا ما يمكن ملاحظته من جملة «وليبقي الأمر بيننا»، وعاجلًا أيضا باعتذار الأمير لصديقه العلّامة عما ورد في رسالته من أخطاء لغوية «ملحوظة لا تؤاخذوني على الغلطات اللغوية لأنني تركت اللغة العربية اللطيفة من ستة عشر سنة ولم يكن ذلك بغير أسف».

 

الصداقة التي جمعت الطرفين بدأت بلقاء مشترك جمع بين محمود باشا سليمان، وكيل مجلس شورى القوانين، ووالد محمد محمود باشا الذي ترأس أربع حكومات قبل ثورة يوليو 1952، والأمير يوسف كمال، والعارف بالله الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي، وذلك اللقاء تم بالضرورة قبل 1929 وهي السنة التي توفي فيها محمود باشا سليمان عين أعيان أسيوط. 

 

 

يقول الراحل الشيخ إبراهيم الشرقاوي حفيد الإمام أبوالوفاء، في مقابلة سابقة أجريتها معه قبل رحيله في شتاء 2020،  إن محمود باشا سليمان والد محمد محمود باشا سليمان رئيس الوزراء المصري الأسبق، كان صديقًا للعائلة وأحد أتباع الجد الأكبر  للأسرة الشرقاوية العالم أحمد بن شرقاوي والمعروف بلقب أبو المعارف.

الراحل الشيخ إبراهيم الشرقاوي حفيد الإمام 
الراحل الشيخ إبراهيم الشرقاوي حفيد الإمام 

 وفي أحد زياراته للساحة الشرقاوية، علم  سليمان؛ بوجود الأمير يوسف كمال في مجموعته المعمارية في نجع حمادي، لمباشرة أملاكه، فعقد العزم علي زيارته وطلب من الشيخ أبو الوفاء الشرقاوي مرافقته إلى قصر الأمير، وتم اللقاء بالفعل بين الثلاثة في ضيافة الأمير، وحدث تلاق في الأفكار بين العارف بالله والأمير يوسف كمال، الذي كان مثقفًا ثقافة رفيعة، حتى صارا صديقين يتبادلان الزيارات والخطابات والبرقيات في حال غياب الأمير عن نجع حمادي. 

استقلال مصر عن بريطانيا:

 

بدأ الأمير يوسف كمال رسالته لـ الشرقاوي قائلًا «ما كنا نود نحن أحفاد محمد علي وأمراء مصر أن يقع من فرد أو فريق، ما يحملنا على إصدار مثل هذا البلاغ خصوصًا وهناك احتمال أن يؤل معناه الحقيقي تأويلًا باطلًا يستفيد منه الحذرون على منافعهم من غير أبناء بلادنا للتأثير على الرأي العام في الخارج، وإقناعه بأن في مصر خلاف بين المصريين على النقط الحيوية الخاصة بالمسألة المصرية أي استقلال مصر والسودان استقلالًا تامًا بغير قيد ولا شرط».

رسالة الأمير إلي الإمام  ــ الجزء الأول 
رسالة الأمير إلي الإمام  ــ الجزء الأول 

ويظهر من بداية الرسالة أن محتواها يتعلق بقضية استقلال مصر والسودان عن بريطانيا، ووجود خلاف في الأسرة العلوية نحو هذه القضية، وهو ما يحمل تأكيدًا أن يوسف كمال ـ وقت كتابة هذه الرسالة، كان مازال يقود حلف الأمراء الستة داخل البيت العلويّ. 

 

وفي الفقرة التالية من الرسالة يشير يوسف كمال بأصابع الاتهام إلي جماعات من السياسيين ـ لم يحددهم، يعطلون قضية استقلال مصر «ولابد أن الأدلة والبراهين توالت ولم تزل تتعاقب غير تاركة لمن يريد أن يهضم حقوقنا ولا وجه واحد ليؤيدون تلك الأراجيف والخزعبلات التي استعملها الخصوم في بادئ الأمر جدًا في هدم قضيتنا الرابحة بعونه تعالى وبإخلاص المصريين جميعًا لوطنهم، حتى أصبح الخصم أول من يعترف للمصري بالثبات بعد أن كان يتهمه بالتزعزع وأول من يحني له محترمًا ومجلًا بعد أن كان يسمح لنفسه بالتظاهر بغيرهما من الشعور.

 

كنا في الوقت نفسه وللسبب المذكور آنفًا نستنكر على كاتبي المقالات الطويلة وأصحاب الخطب الرنانة عملهم هذا، وذلك لعلمنا أن صدى تلك المقالات والخطب لا يبقى دويه داخل القطر المصري فقط بل سيتعدى هذه الدائرة، وما كنا بآمنين من أن فائدة تبادل الآراء والأفكار تحريريًا أو شفهيًا لا تنقلب ضررًا إذا حُرفت في الألفاظ الحقيقية ومثلت الروح المحركة تمثيلًا كاذبًا لفائدة الغير ». 

 

ويشيد الأمير يوسف كمال بموقف سعد زغلول وعدلي يكن في فقرة تالية  «وكنا نود أن نرى أن الروح المحركة تبقى على الدوام الروح الوطنية والشعور الوطني والغيرة الوطنية والفائدة العامة فقد حقق الله آمالنا على الدوام ولنا في ذلك أعظم فخار، فلم نر لا سعدًا ولا عدلي ولا حافظ ولا غيرهم يحيدون لحظة عن النقطة الجوهرية، وأملنا وطيد ويزيد توطده يومًا بعد يوم في أن نرى نابغي القوم يضحون بأنفسهم في خدمة صالح وطننا العزيزة يدركون عظمة مسؤوليتهم نحو مواطنيهم، يثبتون أمام الصعاب ثبات الرجال فيشيدون لكل مصري بخدمتهم لأمن مصر دعائم المجدي والسعادة إن شاء الله».

 

قبل أن نستكمل قراءة رسالة الأمير يوسف كمال المهمة والنادرة كوثيقة تؤرخ للأحداث والظروف السياسية في فترة كتابتها والتي كانت محفوظة لدي الأسرة الشرقاوية ومعها وثائق أخري، يجدر بنا الإجابة على السؤال: لماذا خص يوسف كمال الشرقاوي بهذه الرسالة؟ صديقًا مقربًا أم شريكًا في القضية الوطنية؟ .. الحلقة القادمة تجيب عن ذلك. 

قد تهمك هذه الحلقات أيضًا: