نور
المشهد المقزز الممزوج برائحة الشمبانيا، الذى شهده الكنيست الإسرائيلى أمس الأول– الاثنين– عقب إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، هو تعبير عن واقع أليم يجب أن نعترف به ونراجعه ونحلله، حتى ندرك حجم المأساة العربية التى سقطت لسنوات طوال فى دائرة هتافات إلقاء إسرائيل فى البحر، دون استعداد، فانتهى المشهد الستيناتى إلى إغراقنا- الآن– فى بحر السخرية والاستخفاف بأرواح المقاومين الذين سجنوا لأنهم يدافعون عن وطنهم الذبيح!!
المشهد لمن لا يعرفه هو محاولة قام بها وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير لتوزيع «الشمبانيا» على نواب اليمين، احتفالاً بتمرير القانون فى يوم مشئوم جديد عند العرب ولكن بن غفير وصفه بأنه «يوم تاريخى»!!
تخيل أن إسرائيل التى قتلت وشردت وطردت السكان الأصليين من أرضهم، ستقتلهم الآن داخل السجون.. وبالقانون!!
ينص مشروع القانون على أن كل شخص «يتسبب عمداً فى وفاة (شخص آخر) بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلى، وبنية إنهاء وجود دولة إسرائيل، يعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد»!! وبذلك أصبحت المقاومة جريمة، واستعادة التراب الوطنى جناية تستوجب السجن المؤبد أو الإعدام!!
ليس هذا فحسب.. ولكن فى حالة قيام فلسطينى بقتل إسرائيلى يتم تطبيق عقوبة الإعدام عليه فوراً، ولاحظ أن توصيف الاتهام هو نص عام، أى أن الفلسطينى الذى يقوم بقتل إسرائيلى ولو فى حالة الدفاع عن النفس سيكون مصيره الإعدام، وهذا يعنى أن الفلسطينى المقيم فى بيته لا يمكنه مقاومة إسرائيلى جاء لاغتصاب منزله وطرده حتى لو حاول هذا الإسرائيلى قتله!! على الفلسطينى بكل بساطة أن يقول له «تفضل بيتك ومطرحك»!! وفى المقابل لا يمكن بأى حال من الأحوال تطبيق هذا النص على إسرائيلى قام بقتل واحد من أصحاب الأرض الفلسطينيين!!
طبعاً.. الأحزاب اليمينية المتطرفة صوتت لصالح القانون، فى حين رفضت أحزاب معتدلة أخرى القانون بأغلبية 62 نائباً مقابل معارضة 48 نائباً وامتناع نائب واحد عن التصويت.. ولكن الملاحظ هو أن نواب الأحزاب العربية وعددهم عشرة نواب رفضوا القانون بقوة وصلابة وهم منصور عباس، ووليد طه، وياسر حجيرات، وإيمان خطيب ياسين، ووليد الهواشلة من القائمة العربية الموحدة، وأحمد الطيبى، وسمير بن سعيد من حزب الحركة العربية للتغيير، وأيمن عودة، وعوفر كاسيف، وعايدة توما سليمان من الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير.. وهو أمر طبيعى ليس فيه مفاجأة.. ولكن الغريب أن هناك نائبين عربيين من الطائفة الدرزية قاما بالتصويت لصالح القانون وهما أكرم حسون وعفيف عبد.. وهو ما يعنى أن هذه الطائفة قد بلغت مرحلة متقدمة جداً من الانتماء السياسى لإسرائيل بغض النظر عن العرق أو الدين أو الثقافة، وهو ما يعنى أيضاً أن المعرفة العربية بالتغييرات التى حدثت فى المجتمعات المتداخلة مع إسرائيل تحتاج لمراجعة.. فليست كلها مقاومة مثل فلسطين.. وليست كلها مناضلة مثل الأسرى الشرفاء.. فقد بلغ الغزو مدى أكثر خطورة من الاحتلال العسكرى.. وهو ما يتطلب منا التأكيد على الأجيال العربية القادمة.. أن عدوك هو قاتل أبيك وعمك وجدك.. فهو لن يصبح صديقك بعد أن شرب من دم عائلتك وإخوانك فى الوطن قطرات حمراء ساخنة ممزوجة بقطع الثلج الغارق فى كأس الشمبانيا!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض