حكم دخول الصالحين في نزول البلاء العام
يعد البلاء سنةٌ كونيةٌ ينزل لتمحيص العباد، وابتلاء الله تعالى للعباد ليس مخصوصًا بالظالمين والعصاة والمذنبين، بل يصيب أيضًا الأنبياء والأولياء والصالحين، وابتلاء الله للصالحين لا يُعدّ هوانًا بهم أو ظلمًا لهم، وإنما هو علامةٌ على حبّه لهم، ورِفعةٌ في درجاتهم، ما لم يُقَصِّرُوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأخرج البيهقي في "الآداب" عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ أَعْظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، وعنه رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ خَيْرًا ابْتَلَاهُمْ».
بيان مفهوم البلاء وهل يدخل التكليف بالعبادة في البلاء
البلاء سُنَّةٌ إلهيةٌ ساريةٌ في الخلق، والدنيا دارٌ للابتلاء والامتحان، والبشرية كلها محلٌّ للبلوى، حتى إنَّ البشر في حال تقلُّبِهم في النعم لا يخلون من البلاء.
والبلاء في معهود كلام العرب يدور على معان عِدَّة، فيدل على: الاختبار والامتحان، وعلى الشيء إذا ما تَلِفَ وذهب رونقه، كما يدل أيضًا على الإخبار؛ قال العلامة ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (1/ 292-294، ط. دار الفكر): [الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إِخْلَاقُ الشيء، والثاني نوعٌ من الاختبار، ويُحمل عليه الإخبار أيضًا] اهـ.
ولقد ورد ذكر لفظ "البلاء" في القرآن الكريم في غير ما موضع؛ حيث جاء بصيغة المفرد النكرة في أربعة مواضع، وبصيغة المفرد المعرف بالألف واللام في موضع واحد.
والبلاء هو وجود الألم في نفس المُبتلَى؛ قال العلامة محيي الدين بن العربي في "الفتوحات المكية" (11/ 138، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب): [فاعلم أنَّ البلاء المحقَّق إنما هو: قيام الألم ووجوده في نفس المتألم] اهـ.
وقد تكون هذه الآلام حسيةً تصيب المُبتلَى في بدنه: كالجروح، والحروق، والأمراض وما أشبه ذلك، وقد تكون آلامًا نفسية: كضياع المال، والهم والغم، والمصيبة في الأهل والولد، ومثل هذه الأمور في العادة توجب الآلام، ومن ثمَّ يتعين شرعًا على المُبتلَى بها: الصبر، والرضى، والتسليم؛ لجريان الأقدار عليه بذلك؛ قال العلامة محيي الدين بن العربي في المرجع السابق (11/ 137): [ضياع المال، والمصيبة في الأهل والولد، والتوعد بالوعيد... مثل هذه الأمور في العادة يوجب الآلام؛ فيتعين شرعًا على المبتلى بها الصبر والرضى والتسليم لجريان الأقدار عليه بذلك] اهـ.
والعبادة هي الغاية من الخلق والإيجاد؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ولا يُتصور عبادةٌ أصلًا بغير تكليف، وكان التكليف عين البلاء؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]، قال الإمام الواحدي في "الوجيز" (1/ 1175، ط. دار القلم): [خلقناه كذلك؛ لنختبره بالتَّكليف والأمر والنَّهي] اهـ. وإلى ذلك المعنى أيضًا أشار العلامة الألوسي في "روح المعاني" (15/ 169، ط. دار الكتب العلمية) فقال: [نَبْتَلِيهِ: مريدين ابتلاءه واختباره بالتكليف] اهـ.
وعن العلة التي من أجلها عُدَّ التكليف بلاءً، قال العلامة الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" (1/ 145، ط. دار القلم): [وسُمِّي التكليف بلاءً من أوجه: أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاءً. والثاني: أنَّها اختباراتٌ. والثالث: أنَّ اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسارِّ؛ ليشكروا، وتارة بالمضارِّ؛ ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعًا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر] اهـ.
ما ورد في السنة النبوية من أسباب حصول البلاء العام
قد ورد في السنة النبوية الشريفة كذلك ما يشير إلى البلاء العام وأسباب حصوله؛ ومن ذلك ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ».
أسباب جلب البلاء
فمن أهم الأسباب التي تجلب نزول البلاء كثرة الذنوب؛ روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها فزعًا يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ».
قال القاضي عياض في "إكمال المُعلِم" (8/ 416، ط. دار الوفاء للطباعة والنشر): [في هذا الحديث من الفقه: تجنب أهل المعاصي والبعد عنهم، وتجنب مجالس الظلم وجموع البغي؛ لئلا يعم البلاء ويحيق بالجميع المكر... وأن المعاصي إذا كثُرت ولم تُنكر ولم تُغيَّر، عمت العقوبة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:25] اهـ.
ومن أسباب نزول البلاء وعمومه كذلك عدم إنكار المنكر؛ قال العلامة أبو بكر بن العربي المعافري في "القبس" (1/ 1173، ط. دار الغرب الإسلامي): [قال عمر رضي الله عنه: "إن الله لا يُعذب العامة بذنب الخاصَّة، ولكن إذا عُمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلهم"، وخطبَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه الناس فقال: "يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأوَّلونها على غير تأويلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض





