رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكم تصوير أحداث يوم القيامة بالذكاء الاصطناعي

بوابة الوفد الإلكترونية

قالت دار الإفتاء المصرية إن تصوير أحداث يوم القيامة كمشاهد مرئية عن طريق تقنيات الذكاء الاصطناعي أمر محرمٌ شرعًا، وذلك لاشتماله على جملة من المحاذير والمفاسد، كتشويه الحقائق الدينية، والتحريف والتضليل الذي ينتشر على نطاق واسع، وجعل أوصاف يوم القيامة وأحداثها التي هي غيب أسيرةً لرؤيةٍ يفرضها الذكاء الاصطناعي فرضًا على المتلقي لها بحسب المعلومات المغذية له وما قد يصل إليه الخيال الافتراضي، بما يغير حتمًا من تخيل المتلقي لهذه الأحداث والصورة الذهنية القائمة عنده حولها، ويستبدل بها الصورةَ التي حصلت بها المحاكة الافتراضية، وهو أمرٌ عظيم الخطر وفاسد الأثر.

حكم تصوير يوم القيامة بالذكاء الاصطناعي

وأوضحت الإفتاء أن الذكاء الاصطناعي تطور تطورًا كبيرًا، حتى لا يكاد أن يوجد مجال من المجالات إلَّا وقد تأثر بهذا التطور التكنولوجي، حتى وصل ذلك إلى التطور الراهن باستخدام التقنيات البصرية التي تُوَلِّدها خوارزميات الذكاء الاصطناعي (AI) لعمل مشاهد مرئية لأحداث يوم القيامة كتجسيد للأوصاف الواردة في الكتاب والسُّنَّة النبوية لأحداث القيامة، مستندًا في ذلك إلى عدد من النصوص الشرعية التي ذكرت أحداث هذا اليوم وما فيه من مشاهد، في محاولة لتقديم تمثيل تقريبي، ورغم ذلك كله، -كأي نتاج بشري- تظل قاصرة عن إدراك حقيقة الغيب؛ بل غاية عملها أنها تصورٌ قائم على الظن والقول بغير علم في شأنٍ لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به العقول، وذلك لعدة أمور:

أولًا: أن أحداث القيامة وأوصافها الواردة في الكتاب والسُّنَّة مندرجة تحت قسم السمعيات في علم التوحيد، وينحصر طريق معرفتها في الخبر الصادق دون توقف على إدراك العقل أو استشهاد بالحس، وهي -أي السمعيات كالحشْر، والنشْر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، ونعيم القبر وعذابه، وسؤال منكر ونكير.. ونحو ذلك- من العقائد الواجب الإيمان بها، فإن عَقِلْنا شيئًا منها فمن توفيق الله تعالى، وإلا اكتفينا باعتقاد حقِّيَّته على وفق مراد الله عزَّ وجلَّ.

 

ثانيًا: حقائق الغيب -وخاصة المتعلقة بأمور الآخرة- لا يجوز القياس فيها بناء على ما تجلَّى من مظاهر في الدنيا من جهة الأوصاف والحقائق، لما تَقَرر أن أمور الآخرة لا تشبه أمور الدنيا من جميع الوجوه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾» أخرجه الشيخان.

وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري.

وهو أمرٌ قد قرره المحققون عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية [البقرة: 25]؛ فجاء عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ» أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، والسَّمَرْقَنْدِي في "بحر العلوم".

قال الإمام البَيْضَاوِي في "تفسيره" (ص: 61، ط. دار إحياء التراث العربي): [التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم، وهو كافٍ في إطلاق التشابه. هذا: وإن للآية الكريمة محملًا آخر، وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات، متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها، فيحتمل أن يكون المراد من ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا﴾ أنه ثوابه، ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55] في الوعيد] اهـ.

ثالثًا: أن ما ساقه القرآن الكريم والسنة المطهرة من أوصاف ما سيكون في يوم القيامة إنما هو مساعدة للإنسان على الإيمان مع الاحتفاظ بأن ما سيجري لا يتوصل له التخيل البشري الذي يقع أسير عالم الحس، والشرع وإن استخدم ألفاظًا وصورًا محسوسة فغايته ترك مساحة واسعة للخيال البشري، فهو فتح باب التخيل ليتخيل العبد عظمة المشهد، أما الصورة المرئية المُصَنَّعة فتلغي هذه المساحة وتفرض تخيلًا واحدًا، وكيفية واحدة حددها المصمم، وهذا هو جوهر الانحراف.

وأشارت الإفتاء إلى أنه ليس هناك من الاشتراك بين الصورة المرسومة في الكتاب والسنة وبين حقائق الآخرة ما يصحح قياس هذه الصور التقنية عليها؛ وذلك لأن المشابهة بينهما إنما وقعت في الأسماء فقط، أما الكيفية فمغايرة لكل ما يدركه العقل أو تصنعه الآلة، ومن ثَمَّ فالقياس بينهما منكسر، وأنه يمتنع إعمال قياس الشاهد على الغائب في -مسألتنا- لانعدام المشابهة في الذات والصفات، فدور الذكاء الاصطناعي هو التقريب كحال التمثيل، والتقريب في أمور الغيب المطلق بالوسائل البصرية يؤول بالضرورة إلى تجسيد الكيفية، وتحديد المشهد وتأطيره، مما يُعد تقَحُّمًا على الغيب بغير علم، والتقحم على الغيب كذب!

 

ومن المعلوم أن طبيعة التصوير وصنع المشاهد المرئية تستلزم من الشيء المُصَوَّر أن يكون ذا تحيز كالجسم، وهذا غير متحقق في عدد من أحداث يوم القيامة كوزن الأعمال وذبح الموت وإتيانه في صورة كبش أملح مثلًا؛ حيث قرر المحققون وجوب تأويل ظاهر الأدلة الواردة فيها إجمالًا أو تفصيلًا؛ معللين ذلك بأن هذه الأمور من قبيل العَرَض الذي لا يكون ولا يصير متحيزًا كالجسم، بل هو معنًى يقوم به كلون الثوب مثلًا.

 

رابعًا: تصطدم محاولة تجسيد أحداث القيامة عبر الذكاء الاصطناعي بجملة من الحقائق الشرعية والمقررات الإفتائية، والتي تجعل من هذا الفعل أمرًا محظورًا، وذلك لاستحالة استيفائها في القوالب البصرية، منها:

- حظر تصوير أو تمثيل الذات الإلهية، والأنبياء، والرسل، والخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة، وآل البيت الكرام صراحةً أو رمزًا.

- الأمر بوجوب الاستناد في رواية السمعيات إلى الأخبار والآثار الصحيحة، وبتجنب الروايات الموضوعة والمكذوبة وعدم الاكتفاء بالمشهور المتداول ولا بالفرضيات المتخيلة، مما يوجب أن يكون الحدث محل التصوير مأخوذًا من حديثٍ مقبولٍ جارٍ على قواعد المحدثين في القبول والرد؛ بل يجب عند تحقيق هيئة الحدث وصورته القيام بجمع طرق روايته وجمع أشباهه ونظائره.

- الأمر بعدم التلبيس على العامة أمر دينهم، بعرض المسائل المشكلة، خاصة فيما اختلف فيه علماء الأمة الكبار من أمور العقائد، واتبعوا فيه طريق التفويض، باعتقاد حقيته على وفق مراد الله عزَّ وجلَّ دون محاولة تصويره.

- النصوص الواردة في الأحداث (محل الموضوع) تحتاج في فهمها إلى أمرين:

الأول: فهم اللغة العربية كما عُهِدَتْ في العصر الأول، وهو يقوم على دراسة معنى الألفاظ والتراكيب ودلالات القصص والإشارات كما أرادها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل ينبغي أن يكون الاعتماد في الربط وإظهار العلاقة بين الأحداث والقصص المختلفة على مستوى التصميم والصياغة والتركيب وخاصة في تلك الأحداث التي تختلف عناصرها أو مواد بنائها، من أجل ترتيب المادة المنتقاة، لأنه من الملاحظ أن القصة الواحدة تُعرَض في صورة متنوعة مناسبة للسياق لنكتة يستنبطها العلماء المحققون.

والثاني: تحديد ما في الآية القرآنية أو الحديث الشريف من قِيَم عقلية، وأدبية، وفنية.

 

- التفرقة بين ما يجوز تخيله وتصويره، وذلك لا يكون إلا في الأجسام، وبين ما لا يجوز فيه ذلك كأن يكون من قبيل الأعراض، وقد قرر أهل السُّنَّة والجماعة أن ما ورد في ذلك لا يُحمل على ظاهره؛ بل يجب تأويله، وقد تقدَّم بيانه.

خامسًا: المفاسد المترتبة على تجسيد أحداث القيامة تقنيًّا؛ حيث تميل الذاكرة البشرية والعقل الباطن بطبعهما إلى استبدال المعاني المجردة بالصور المحسوسة، مما يؤدي إلى الاستلاب البصري، وبعد أن يشاهد المتلقي تجسيدًا بصريًّا ليوم القيامة، تنطبع تلك الصورة في ذهنه وتلتصق بمخيلته، فتصبح هي المرجع الإدراكي لديه كلما ذُكرت القيامة أو تُليت آياتها.