فشلت الإستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران ، وأثبتت التطورات الميدانية أن فائض القوة العسكرية لم يعد كافياً لفرض إرادة سياسية على واقع إقليمي شديد التعقيد. وسقطت الرهانات الأمريكية الواحد تلو الآخر، بدءاً من وهم الضغوط القصوى التي كان يُفترض أن تؤدي لتركيع طهران، وصولاً إلى الفشل في تقدير مرونة النظام الإيراني ، وقدرته على ابتكار حلول لمواجهة العقوبات وبناء تحالفات دولية متينة مع أقطاب صاعدة كالصين وروسيا، مما جعل من سياسة العزل الاقتصادي أداة قديمة وفاقدة للتأثير في عالم متعدد الأقطاب.
واصطدمت واشنطن التي اعتادت في حروبها السابقة على مواجهة جيوش نظامية أو دول محددة المعالم، اصطدمت بظاهرة وحدة الساحات، وهي استراتيجية تجعل من جبهات متباعدة جغرافياً مثل اليمن ولبنان والعراق وإيران جسداً واحداً يتحرك بتناغم مذهل. وأخطأت أمريكا بظنها أن توجيه ضربة قاصمة في الجبهة الأساسية سيؤدي إلى انهيار البقية، بينما أثبت الواقع أن النظام يعمل كالأواني المستطرقة، فبمجرد الضغط على طرف، يندفع الرد من طرف آخر تماماً، مما شتت القدرات الاستخباراتية والدفاعية الأمريكية وجعلها في حالة استنفار دائم ومكلف ضد تهديدات منخفضة التكلفة لكنها عالية التأثير.
وهذا التشتت الميداني وضع إسرائيل أمام معضلة تآكل الكتلة، فالكيان الإسرائيلي، بحكم صغر مساحته وقلة عدده، لا يمتلك العمق الاستراتيجي الذي يسمح له بابتلاع جغرافيا واسعة خارج حدوده. وحين حاول التوسع والسيطرة على مناطق في غزة أو جنوب لبنان أو سوريا، تحول من جيش هجومي مرن إلى قوة احتلال ثابتة ومنهكة، تشبه الصياد الذي أمسك بفريسة أكبر من حجمه فلا هو قادر على ابتلاعها ولا هو قادر على تركها. وهذا تسبب في استنزاف نخبة الجنود والضباط، والأهم من ذلك أنه استنزف المجتمع المدني، لأن إبقاء قوات الاحتياط في الميدان لشهور طويلة يعني شللاً في المصانع والشركات والابتكار، وهي الركائز التي يقوم عليها بقاء إسرائيل كدولة.
الفكرة هي أن أمريكا وإسرائيل تخوضان حرباً بمقاييس قديمة ،تعتمد على الطائرة والدبابة والسيطرة المكانية، ضد خصم يخوض حرباً بمقاييس حديثة ،تعتمد على الاستنزاف النفسي والمسيرات الرخيصة التكلفة ، مع توزيع الجهد على مساحات شاسعة. مما جعل التكنولوجيا المتطورة عبئاً لا ميزة ، فإسرائيل لم تعد تقاتل لكي تنتصر، بل لكي لا تنهار تحت وطأة النزيف الاقتصادي والبشري، وهو ما يفسر لماذا يرى المحللون أن طول أمد الحرب في حد ذاته يمثل هزيمة للمشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي لا يحتمل حروباً طويلة.
إن الاعتماد المطلق لإسرائيل على جسر الإمداد الأمريكي حوَّلها من حليف استراتيجي إلى عبء عسكري يتطلب حماية دائمة، وهو ما أحدث تصدعاً في الحسابات الأمريكية التي باتت تخشى استنزاف مخزوناتها العالمية لصالح جبهة لا تحقق نصراً حاسماً. ومع فشل الضربات الجوية في كسر إرادة الخصوم أو تفكيك شبكة المسيرات والصواريخ الرخيصة التي تنهك المنظومات الدفاعية الباهظة، ومع تآكل الهدنة وتعثر المفاوضات ، يبدو أن المنطقة تتجه نحو واقع جديد يكرس تراجع الهيمنة الغربية. هذا الفشل الاستراتيجي لا يقتصر على الميدان فحسب، بل يمتد للإطاحة بالشرعية الدولية وتصاعد القوى الإقليمية التي باتت تفضل النأي بنفسها عن مغامرات واشنطن الفاشلة، مما يفتح الباب أمام حقبة جديدة تخرج فيها المنطقة من تحت العباءة الأمريكية الإسرائيلية المثقوبة.
واستكمالاً لهذا المشهد الاستراتيجي، يأتي فشل توقعات أمريكا تجاه حلفائها الإقليميين، حيث تبين أن الرهان على انخراط عربي واسع في حرب مفتوحة كان رهاناً خاسراً، إذ فضلت القوى الإقليمية حماية مكتسباتها التنموية وتبني سياسة توازنات دقيقة، مما ترك الثنائي الأمريكي الإسرائيلي في حالة انكشاف سياسي وميداني. هذا الانكفاء الإقليمي تزامن مع خطأ استراتيجي فادح حيث ركزت الخطط العسكرية على التدمير دون وجود رؤية لليوم التالي، مما حول كل ضربة تكتيكية إلى مأزق سياسي يعزز من قوة التيارات المناهضة للهيمنة بدلاً من إضعافها.
وعلى الجانب الإسرائيلي، تعمق الفشل من خلال المبالغة في الاعتماد على التفوق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك، وهي الأدوات التي أثبتت عجزها أمام إرادة المقاتل على الأرض وحروب العصابات غير المتماثلة. هذا الاعتماد الرقمي لم يستطع تعويض النقص في الحضور البشري اللازم لفرض السيادة، خاصة وأن ضيق المساحة الجغرافية لإسرائيل جعل عمقها الاستراتيجي مكشوفاً بالكامل أمام هجمات متزامنة من أربع جهات ، مما أفقدها عنصر المفاجأة والمبادرة ، وحول جيشها من قوة هجومية مرعبة إلى قوة دفاعية مستنزفة تحاول فقط حماية مرافقها الحيوية من الشلل التقني والأمني.
إن جوهر هذا الإخفاق يكمن في سوء فهم سيكولوجية الخصم ، الذي يتبع استراتيجية الصبر الطويل ونحر العدو بألف طعنة، وهي استراتيجية نجحت في تحويل التكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية المتطورة إلى عبء مالي وعسكري ضخم. ومع انعدام القدرة على تحقيق النصر الكامل وبروز إيران كقوة على عتبة نووية رغم كل الضغوط، يجد التحالف الأمريكي الإسرائيلي نفسه أمام حقيقة مرة ، وهي أن موازين القوى العالمية قد تغيرت، وأن عهد التفرد بالقرار في الشرق الأوسط قد ولى لصالح واقع جديد تفرض فيه الجغرافيا وإرادة الصمود شروطها فوق أزيز الطائرات وصخب التهديدات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض