م الآخر
بين ضغوط الواقع وحدود إدارة ملف الطاقة، تتسارع قرارات رفع أسعار الوقود بوتيرة لافتة، فى وقت يطرح فيه الشارع تساؤلًا مشروعًا: هل تخشى الحكومة تعثر خطتها لرفع الدعم عن الطاقة، فتسعى لتسريع وتيرة الزيادات، أم أن المشهد يتطلب مراجعة أكثر عمقًا تفتح الباب أمام بدائل أقل عبئًا على المواطن؟
الواقع يكشف أن الاقتصاد لا يزال عرضة لصدمات خارجية متكررة، تتجدد غالبًا مع اضطرابات الأسواق العالمية، بينما يظل التعامل المحلى معها قائمًا على الأداة الأسهل، وهى تحريك الأسعار.
تشير المعطيات إلى اتجاه الحكومة لعقد اجتماع استثنائى للجنة تسعير المواد البترولية خلال الشهرين المقبلين، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط عالميًا، مع اقتراب خام برنت من مستوى 100 دولار للبرميل فى ظل الحرب على إيران.
بالتوازى، يجرى العمل على تعديل آلية التسعير لتصبح أكثر ارتباطًا بتحركات النفط وسعر الصرف، تمهيدًا لتطبيق تسعير جديد مع بداية العام المالى 2026 2027.
غير أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار عالميًا، بل بكيفية إدارتها داخليًا. فقد شهدت الفترة الأخيرة زيادات فى أسعار الوقود تراوحت بين 14 و30%، وسجل معدل التضخم نحو 13.4% خلال فبراير أى قبل الحرب على إيران وزيادة أسعار الوقود ما يجعل معدلات التضخم يتوقع أن تصل إلى 16% خلال شهر مارس ومع توقعات باستمرار الضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
ويعنى ذلك أن المواطن يتحمل عبئًا مضاعفًا، فى ظل غياب آليات كافية لتخفيف الأثر، خاصة على العاملين فى القطاع الخاص الذين يعانون من تدنى فى المرتبات وسط فشل إدارة فى بعض مؤسسات القطاع الخاص والتى تكتفى بالحل الاسهل وهو تسريح العمالة.
وتعكس أزمة الطاقة ضغوطًا حقيقية على الموازنة العامة، لكنها فى الوقت ذاته تكشف محدودية الأدوات المطروحة، التى تظل فى معظمها قائمة على نقل العبء تدريجيًا إلى المستهلك، بدلًا من معالجة جذور الأزمة عبر سياسات إنتاجية، أو التوسع فى بدائل الطاقة، أو تحسين كفاءة الإنفاق العام.
وتشير التقديرات إلى احتمال حدوث زيادات جديدة فى أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، قد تصل إلى نحو 50% وفق بعض آراء الخبراء، خاصة إذا استمرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة. ورغم أن هذا التوجه قد يكون مبررًا من الناحية المالية، فإنه يظل مكلفًا اجتماعيًا، ويضع ضغوطًا إضافية على مستويات المعيشة.
فى النهاية، لا يقتصر التحدى على تقليص عجز الموازنة أو خفض الدعم، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذا الملف دون الاعتماد المفرط على جيب المواطن كحل رئيسى.
فنجاح الإصلاح الاقتصادى يتطلب تنويع الأدوات، وتعزيز الإنتاج، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل العاملين فى القطاع الخاص، بدلًا من استمرار دائرة الصدمات التى تتكرر دون حلول جذرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض