رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر.. قصيدة البوصيري في مدح النبي

معنى قول فمبلغ العلم
معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر

قبل الوقوف على معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر، في قصيدة البردة للإمام البوصيري في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، يجب فهم السياق العام للمدح النبوي، الذي بدأ منذ عهد الصحابة أنفسهم، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم كبار الشعراء مثل حسان بن ثابت وكعب بن زهير، بل وأقرّهم على ذلك وكافأهم، مما يدل على مشروعية المدح إذا كان بالحق.

وفي هذا الإطار، جاءت قصيدة البردة كامتداد لهذا التراث، لكنها تميزت بعمقها العقدي، خاصة في هذا البيت الذي أصبح محور نقاش واسع بين العلماء.

البوصيري 
البوصيري 

ماذا يقصد البوصيري بـ"بشر"؟

يكمن جوهر معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر في تأكيد حقيقة أساسية: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنسان مخلوق من عند الله، ليس إلهًا ولا يملك صفات الألوهية.

وقد أكد القرآن هذه الحقيقة في أكثر من موضع:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون» (رواه البخاري)، وهذا المعنى يرسخ العقيدة الصحيحة، ويمنع الغلو الذي وقع فيه بعض الأمم السابقة.

 

هل يتعارض ذلك مع كونه أفضل الخلق؟

هنا يظهر الوجه الثاني من معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر، وهو أن بشرية النبي لا تنفي كماله، بل تؤكد عظمته؛ لأنه بلغ أعلى درجات الكمال الإنساني.

وقد أجمع العلماء، مثل الإمام النووي والقاضي عياض، على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل الخلق على الإطلاق.

وقال صلى الله عليه وسلم:«أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» (رواه مسلم)، إذًا، الجمع بين البشرية والخيرية هو جوهر الاعتدال في فهم مقام النبي.

 

التوازن بين النهي عن الغلو وجواز المدح

قد يظن البعض أن هذا البيت يتعارض مع حديث:
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» (رواه البخاري)

لكن معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر يوضح أن البوصيري لم يخرج عن هذا التوجيه، بل التزم به؛ لأنه:

  • أثبت البشرية (فنَفى الألوهية)
  • وأثبت الفضل (بما ثبت شرعًا)

وهذا هو المدح المشروع، بخلاف الإطراء المذموم الذي يقوم على المبالغة الباطلة.

البوصيري 
البوصيري 

لماذا كان النبي بشرًا؟

من أعمق دلالات معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر أن بشرية النبي كانت ضرورة تربوية وتشريعية، ليكون قدوة للناس.

قال تعالى:﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ... لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مَلَكًا﴾ [الإسراء: 95]، فلو كان ملكًا، لما استطاع البشر الاقتداء به، لكن كونه بشرًا:

  • يجوع ويشبع
  • يمرض ويُشفى
  • يحزن ويفرح

يجعل سنته قابلة للتطبيق في الواقع.

 

كيف فهم العلماء هذا البيت؟

تناول العلماء هذا البيت بالشرح والتأصيل، وأكدوا أن معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر يعكس قمة الاعتدال العقدي.

فقد أوضح ابن خلدون أن العقل البشري محدود في إدراك الغيبيات، بينما بيّن أبو حامد الغزالي أن أمور العقيدة تُؤخذ من الوحي لا من الخيال.

وهذا ينسجم مع فكرة البوصيري: أن أقصى ما يدركه العقل هو بشرية النبي، لكن حقيقته وفضله أوسع من ذلك بكثير.

 

بيت شعري يلخص العقيدة

في النهاية، يلخص معنى قول فمبلغ العلم فيه أنه بشر عقيدة أهل السنة في النبي صلى الله عليه وسلم:

  • هو بشرٌ مخلوق
  • لكنه أفضل الخلق
  • لا يُعبد، ولا يُرفع فوق منزلته
  • ولا يُنقص من قدره

هذا التوازن هو سر جمال البيت، وسر بقائه حيًا في وجدان المسلمين حتى اليوم.

فلم يكن البوصيري مجرد شاعر، بل كان معبرًا عن عقيدة متكاملة، تختصر في بيت واحد ما تعجز عنه كتب كاملة.