التجار يحكمون الأسواق
نار الأسعار تحرق المواطن.. والمسئولون غائبون
الحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل وأمريكا لا تسدد فاتورتها الدول المتحاربة فقط، فالفاتورة موزعة على كل دول العالم ومن بينها مصر، التى ستسدد فاتورة الحرب على 3 جبهات: السياحة المتراجعة بسبب الحرب، وقناة السويس المتراجع إيراداتها بشكل كبير، وارتفاع أسعار الطاقة ومواد الغذاء.. والسؤال الآن: كيف نخفف من تبعات هذه الفاتورة؟ خاصة مع اضطراب حركة التجارة العالمية بعد غلق مضيق هرمز واشتعال التوترات فى البحرين الأبيض والأحمر.
خلال الأيام الماضية شهدت الأسواق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، تزامنت مع ما شهدته الاسواق من ارتفاع رهيب فى الأسواق منذ تحريك أسعار المحروقات، وهو ما أثر على القدرة الشرائية للأسر، ورغم توفر كميات كافية من السلع الأساسية بحسب بيانات الحكومة، إلا أن غياب الرقابة ابتلع احتياجات المواطنين الأساسية، وأصبحت الأسواق بيئة خصبة لاستغلال الوضع من قبل المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار.
ورغم أن الرئيس عبدالفتاح السيسى شدد على إمكانية إحالة المخالفين إلى القضاء العسكرى وفق القانون، لضمان سرعة الفصل فى قضايا التلاعب بالأسعار، إلا أن انعدام الرقابة حال دون إلقاء القبض على أى من هؤلاء المتلاعبين، رغم معاناة المواطنين المستمرة.
وكشفت جولة الأسعار زيادة كبيرة فى أسعار كل شيئ بدءا من الخضروات والفواكه وحتى اللحوم والدواجن، فلأول مرة فى التاريخ يصل سعر كيلو الطماطم إلى 55 جنيها فى بعض المناطق، وسعر كيلو الباذنجان إلى 50 جنيها، بينما وصل سعر الخيار إلى 40 جنيها، ناهيك عن الارتفاع الكبير فى أسعار اللحوم والدواجن أواخر شهر رمضان الماضى، هو ما انعكس على القوة الشرائية للمواطنين.
هذا الارتفاع فى الاسعار جعل الرئيس السيسى يهدد بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى، إلا أن الحكومة لم تتحرك لحماية المواطنين، تركتهم فريسة لجشع التجار خلال العيد.
تشديد الرقابة
محمود العسقلانى، رئيس جمعية مواطنين ضد الغلاء، أكد أن موجة ارتفاع الأسعار التى تتزامن مع المواسم والأعياد لا تعكس نقصًا فى السلع، بل تعود فى الأساس إلى اختلالات فى السوق وسلوكيات بعض التجار، مشددًا على أن المخزون الاستراتيجى من السلع الغذائية فى مصر آمن ويكفى احتياجات المواطنين.
وأوضح أن الأسواق كانت مهيأة قبل شهر رمضان بكميات كبيرة من السلع الأساسية، مثل الدقيق والأرز والسكر والزيوت والبقوليات، بما يغطى الطلب، لافتًا إلى أن الأزمة الحقيقية لا ترتبط بالمعروض، بل بتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، وهو ما انعكس بوضوح فى انخفاض معدلات الاستهلاك.
وأشار إلى أن بعض السلع، وعلى رأسها اللحوم، شهدت تراجعًا حادًا فى الإقبال، حيث انخفضت المبيعات بنحو 50% مقارنة بالعام الماضى، نتيجة الضغوط الاقتصادية وثبات الدخول، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليل استهلاكها أو شراء كميات أقل، فى مشهد يعكس حالة «ركود تضخمى» ترتفع فيه الأسعار رغم تراجع الطلب.
وانتقد «العسقلانى» استمرار هذا النمط، موضحًا أن ما يحدث يتنافى مع القواعد الاقتصادية، حيث أنه من المفترض أن تنخفض الأسعار لتحفيز البيع فى أوقات الركود، لكن فى السوق المصرية تستمر الزيادات بسبب ضعف الرقابة وغياب الردع الفعّال.
ولفت إلى أن الأجهزة الرقابية تعانى من نقص حاد فى الكوادر، سواء فى قطاع التموين أو جهاز حماية المستهلك، ما يحد من قدرتها على ضبط الأسواق، ويفتح المجال أمام بعض التجار لفرض زيادات غير مبررة، خاصة فى ظل تطبيق نظام «حرية التسعير» الذى يمنح التاجر حق تحديد السعر مع الاكتفاء بإعلانه.
وفى المقابل، أشاد بوجود نماذج إيجابية لتجار يراعون البعد الاجتماعى، مؤكدًا أن هذه النماذج تمثل استثناءً يجب دعمه، فى ظل سوق يحتاج إلى مزيد من الانضباط والمسئولية.
وشدد على أن الحل لا يكمن فى التوصيات أو المناشدات، بل فى تطبيق صارم للقانون، ومواجهة حاسمة للممارسات الاحتكارية، مع تفعيل التوجيهات الرامية لضبط الأسواق وإحالة المخالفين للجهات القضائية.
واختتم «العسقلانى» حديثه بالتأكيد على أن المواطن يظل الطرف الأضعف فى معادلة السوق، ما يجعل تعزيز الرقابة وتفعيل القوانين أولوية ملحة لضمان استقرار الأسعار وحماية محدودى الدخل.
عقوبات رادعة
من ناحية أخرى أكد محمد أبوخطوة المحامى، أن التلاعب بالأسعار يمثل أحد أبرز المخالفات التى تواجهها الأسواق المصرية، مشيرا إلى أن القانون المصرى وضع عقوبات رادعة لمواجهة هذه الممارسات التى تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستوى المعيشة، موضحا أن عقوبات التلاعب بالأسعار تتنوع بين الحبس والغرامات المالية، وقد تصل الغرامات إلى ملايين الجنيهات، وفقًا لقانون حماية المنافسة وحماية المستهلك، وذلك لضمان ردع أى شخص يحاول استغلال نقص الرقابة أو ضعف التوعية لاستهداف المستهلكين وزيادة أرباحه على حسابهم.

وأشار «أبوخطوة» إلى أن القانون لا يكتفى بمعاقبة التلاعب المباشر بالأسعار، بل يشمل أيضًا عقوبات على عدم الإعلان عن الأسعار، حيث تصل الغرامات فى هذه الحالات إلى عشرة آلاف جنيها، مشيرا إلى أن هذه العقوبات تهدف إلى حماية المستهلك، وضمان توافر المعلومات الكاملة عن الأسعار قبل الشراء، ما يعزز المنافسة الشريفة بين التجار ويمنع الاحتكار أو رفع الأسعار بصورة تعسفية.
وأكد أن القانون المصرى نص على إجراءات صارمة لضمان سرعة الفصل فى القضايا الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى كان قد نوه فى لقاءات سابقة إلى أنه فى حال ثبوت قيام أى شخص بالتلاعب بالأسعار، سيتم إحالة القضية إلى القضاء العسكرى طبقًا للقانون رقم 25 لسنة 1966، وذلك بهدف تسريع الإجراءات القضائية وحماية مصالح المواطنين، وأوضح أن اللجوء للقضاء العسكرى لا يعنى تجاوز الحقوق القانونية للمتهمين، بل يمثل آلية لضمان سرعة الفصل فى القضايا التى تؤثر على الاقتصاد واستقرار الأسواق، خاصة فى حالات الغش أو الاحتكار التى قد تتسبب فى أضرار كبيرة للمستهلكين.
وفى ختام حديثه، أكد «أبوخطوة» على أن العقوبات الرادعة، سواء كانت الحبس أو الغرامات المالية أو الإحالة للقضاء العسكرى، تمثل أدوات مهمة لضبط الأسواق وحماية حقوق المستهلكين. كما دعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أى مخالفات تتعلق بالأسعار أو عدم الإعلان عنها، مشددًا على أن التزام التجار بالقوانين سيؤدى إلى استقرار الأسعار وتحسين مناخ الاستثمار، بما يعود بالنفع على الجميع. واعتبر أن دور الدولة فى الرقابة المستمرة على الأسواق، إلى جانب التشديد على تطبيق العقوبات القانونية، يشكل ركيزة أساسية للحفاظ على التوازن الاقتصادى وحماية الفئات الأكثر تأثرًا بالزيادات السعرية فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض