رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

       
ها هو الشهر الفضيل قد بلغ الختام؛ ففي ضوء المؤشرات الفلكية يكون اليوم على الأغلب هو آخر أيام شهر رمضان الكريم، وغدًا أول أيام عيد الفطر المبارك، وعلى أي حالٍ فإننا نُنهي اليوم سلسلتنا عن الشخصيات المختلفة التي تناولناها خلال الشهر الكريم، وليكن ختام هذه السلسلة بالحديث عن الشخصية السوية ..  تلك الشخصية التي أثّر فيها رمضان بالإيجاب؛ فهاهي تخرج منه أكثر اتزانًا ومراقبةً لله تعالى في كل تصرفاتها؛ فهي تنوي الحرصَ الدائم على أن تكون أفعالُها صادقةً، وأن تكون نواياها سليمةً؛ فتعمل الخير دون انتظار مقابل، وتبتعد عن التظاهر والرياء .. إنها شخصيةٌ تخرج من رمضان ولديها عزمٌ صادقٌ على أن تعيش حياتها وفق ضوابطَ أخلاقيةٍ وروحيةٍ؛ فقد ازدادت وعيًا بذاتها وبالآخرين، وزادت مراقبتها لربها في كل أفعالها وأقوالها .. إنها الشخصية التي تعلمت كيف توازن بين احتياجاتها وواجباتها، وبين عقلها وعاطفتها، وبين مصلحتها الشخصية ومصلحة مَن حولها؛ إذ لم يقتصر أثر رمضان في هذه الشخصية على الصيام والعبادات فقط، بل امتد ليشمل تنمية الروح والعقل والوجدان .. إنها شخصيةٌ تخرج من رمضان بعزمٍ وإرادةٍ صادقةٍ على أن تكون أكثر اتزانًا في حياتها، وأكثر قدرةً على ضبط النفس في المواقف المختلفة؛ فلا تترك الانفعالات العارضة تتحكم في قراراتها، ولا تسمح للهموم العابرة أن تزعزع استقرارها النفسي؛ فقد منحها رمضانُ فرصةً لتراجع سلوكها ولتغيِّر من نفسها، كما أتاح لها الصيام والعبادات فرصةً لتقوية إرادتها، وتنمية صبرها، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يتوافق مع قيمها الأخلاقية والدينية؛ فكل لحظةٍ من لحظات هذا الشهر الكريم كانت بمثابة تدريبٍ على ضبط النفس، وتزكية القلب، وإعادة تقييم الذات .. وبينما تمضي الأيام بعد رمضان تعزم هذه الشخصية السوية على أن تجعل من مراقبة الله محورًا لحياتها؛ فتصبح الحياة بالنسبة لها مساحةً للخير والعطاء، وملاذًا للأمن النفسي والسكينة الروحية، لقد خرجتْ من رمضان أقوى إرادةً، وأنضج فكرًا، وأصفى قلبًا، وها هي تعزم على أن تقدّم نموذجًا للشخصية التي نتطلع إليها جميعًا، شخصيةٍ متزنةٍ، متسامحةٍ، واعيةٍ، رحيمةٍ، ومترابطةٍ مع قيمها الدينية والأخلاقية في كل لحظة من حياتها .. وتظهر سمات هذه الشخصية بعد رمضان في قدرتها على اتخاذ القرارات بحكمة، وفي مهاراتها الاجتماعية التي توازن بين الأخذ والعطاء، وفي إدراكها لنفسها وقدراتها دون غرورٍ أو تواضعٍ مبالغٍ فيه، وفي قدرتها على إدارة مشاعرها والالتزام بقيمها .. إنها نموذجٌ للإنسان الذي يسعى للارتقاء النفسي والروحي، ويجعل من تجاربه فرصة للتعلم وتطوير الذات، إنها الشخصية التي نطمح أن نكون مثلها، ونحمل صفاتها معنا بعد انتهاء شهر رمضان المبارك؛ لنستمر في رحلة التحسُّنِ والتطويرِ والسيرِ إلى الله.

كيف تكون شخصًا سويًّا؟
أن تكون إنسانًا سويًّا لا يعني أنك وُلدت في ظروفٍ مثالية، ولا أنك لم تمرّ بألمٍ أو نقصٍ أو تجاربَ قاسيةٍ؛ بل يعني – ببساطة – أنك قررتَ أن تعيد تشكيل نفسِك، وأن تختار الطريق السويّ حتى لو لم يُمهَّد لك من قبل؛ فالشخصية السوية ليست هبةً جاهزةً، بل بناء يتكوّن خطوةً بعد خطوة، وقرارًا بعد قرار، ويبدأ دائمًا من لحظة صدقٍ مع النفس (أنا أستطيع أن أكون أفضل مما أنا عليه الآن) .. وأول طريقٍ لتحقيق الشخصية السوية أن يتصالح الإنسان مع ماضيه دون أن يستسلم له، وأن ينظر إلى تجاربه السابقة – حتى المؤلمة منها – لا بوصفها قيودًا تشده إلى الخلف، بل دروسًا تُنير له الطريق إلى الأمام؛ فليس مطلوبًا منك أن تمحو ما كان، بل أن تفهمه، وأن تدرك كيف أثّر فيك، ثم تختار بوعي ألا تكرّر أخطاءه .. كثيرون لم يحظَوا ببيئةٍ مثاليةٍ، لكنهم استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم بيئةً داخليةً متزنةً، قائمةً على الفهم والتجاوز، لا على اللوم والبكاء على ما فات .. ثم تأتي خطوة الوعي بالنفس، وهي حجر الأساس في بناء الشخصية السوية، وتعني أن تعرف نفسك بصدق: ما الذي يزعجك؟ وما الذي يثير غضبك؟ وما الذي يفرحك؟ وما نقاط قوتك؟ وما جوانب ضعفك؟ هذا الوعي لا يُقصد به جلد الذات، بل فهمها؛ فالإنسان السوي لا ينكر عيوبه، ولا يضخمها، بل يراها كما هي، ويعمل على تحسينها بهدوءٍ وثبات، ومع هذا الوعي يبدأ في تعديل سلوكه تدريجيًّا، لا بقفزاتٍ مفاجئةٍ، بل بخطواتٍ صغيرةٍ ثابتة؛ لأن التغيير الحقيقي لا يحدث دفعةً واحدة، بل يتشكل مع الأيام .. ومن أهم ما يبني الشخصية السوية القدرةُ على ضبط النفس، لا قمعها؛ فالإنسان السوي لا يمنع نفسه من الشعور، لكنه يتعلم كيف يدير هذا الشعور، إنه يغضب، لكنه لا يجرح، يحزن، لكنه لا ينهار، يفرح، لكنه لا يندفع، إنه يتعلم أن يتوقف لحظةً قبل أن يتكلم، وأن يفكر قبل أن يرد، وأن يختار كلماته بدلًا من أن تفرضها عليه انفعالاته، ومع الوقت تتحول هذه المحاولات البسيطة إلى طبعٍ راسخ، يجده هو في نفسه قبل أن يراه الآخرون .. كما أن الإنسان السوي يعيد بناء علاقته بالآخرين على أساسٍ من التوازن؛ فلا هو يذوب فيهم فيفقد نفسه، ولا ينعزل عنهم فيفقد دفء الحياة، إنه يتعلم أن يقول "لا" حين يجب أن يقولها، وأن يقول "نعم" حين تكون ضروريّةً في موضعها، وهو لا يسعى لإرضاء الجميع، لكنه لا يتعمد إزعاج أحد، كما أنه يحترم الآخرين، دون أن يسمح لهم بتجاوز حدوده، وهذه مهارةٌ لا تأتي فجأة، بل تُكتسب بالتجربة وبالوعي وبالخطأ أحيانًا ثم التصحيح .. والشخصية السوية تدرك أن الكمال ليس هدفًا، وأن الخطأ جزءٌ من الرحلة؛ لذلك فإنها لا تُحبطها الزلّات، ولا تُسقطها العثرات؛ فإذا أخطأت تعترف، وإذا قصّرت تُصلح، وإذا تعثرت تقوم من جديد، وهي لا تعيش في دائرة اللوم المستمر، ولا في وهم المثالية، بل في مساحةٍ إنسانيةٍ رحبةٍ، تسمح لها بالتحسُّن والتطور دون قسوةٍ على النفس أو تهاونٍ معها .. ومن أهم ملامح هذا الطريق أيضًا الاستمرار؛ فالشخصية السوية ليست قرارًا يُتخذ مرةً واحدةً، بل ممارساتٌ يومية، تبدو في مراجعتك لنفسك كل ليلة، وفي تهذيبك لكلمةٍ قلتها، وفي تصحيحك لموقفٍ أخطأت فيه، وفي محاولتك لأن تكون اليوم أفضل من الأمس ولو قليلًا، ومع هذا الاستمرار، تتغير النفس بهدوءٍ، ويصبح الاتزان عادةً، ويصبح الصلاح أسلوبَ حياة .. والأجمل في هذا كله أن الطريق مفتوحٌ للجميع، لا يهم كيف كانت البداية، ولا كم كان في الماضي من خللٍ أو نقصٍ، فكل إنسانٍ يملك القدرة على أن يعيد ترتيب نفسه، وأن يبدأ من جديد، وأن يصنع من ذاته نسخةً أكثر سواءً، وأكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا؛ فالشخصية السوية ليست حكرًا على أحد، بل هي اختيارٌ متاح، وطريقٌ واضح، يبدأ بخطوةٍ صادقة، ويستمر بإرادةٍ لا تتوقف.

كيف يمكن أن تعيد بناء نفسك بعد رمضان؟
ليس كل من مرّ برمضان خرج منه كما كان يتمنى، وليس كل من صام أثر فيه الصيام، ولا كل من قام تغيّر بالقدر الذي كان يرجوه، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، بل هو أقرب إلى طبيعة النفس البشرية التي تتأرجح بين الإقبال والفتور، لكن الجميل في الأمر أن انتهاء رمضان لا يعني انتهاءَ الفرصة، بل قد يكون – في بعض الأحيان – بدايةً حقيقيةً لميلادٍ جديد؛ فهناك من يستيقظ قلبه بعد رمضان أكثر مما استيقظ فيه، وكأن الشهر الكريم كان طرقًا على الباب، ثم جاء وقت الفتح بعد ذلك .. فإذا شعرتَ أنك لم تستفد من رمضان كما ينبغي، فلا تبدأ بلوم نفسك، بل ابدأ بفهمها، اسأل نفسك بهدوء: لماذا لم أتغير كما كنتُ أريد؟ هل كنتُ مشتتًا؟ هل كنتُ أؤدي العبادات بلا حضور قلب؟ هل انشغلتُ بأشياء سحبتني بعيدًا؟ هذا الفهم ليس لإدانة الذات، بل لتحديد نقطة البداية الصحيحة؛ فالشخص الذي يعرف أين تعثر، هو الأقدر على أن يعرف من أين يبدأ من جديد .. ثم ابدأ بخطواتٍ صغيرة لكنها صادقة، ولا تحاول أن تعوِّض كل ما فات دفعةً واحدةً؛ فهذا يرهقك سريعًا ويعيدك إلى نقطة الصفر، بدلًا من ذلك اختر عادةً بسيطة واحدةً فقط، يمكن أن تستمر عليها، مثل: دعاء صادق كل يوم، أو محاولة للسيطرة على انفعال واحد كنتَ تعاني منه؛ فهذه الخطوات الصغيرة حين تُحافظ عليها، تصنع فرقًا كبيرًا مع الوقت، وتبني داخلك إحساسًا بالقدرة والاستمرار .. ومن أهم ما يعينك على إعادة بناء نفسك بعد رمضان، أن تغيّر نظرتك لنفسك؛ فلا تقل "أنا لم أنجح"، بل قل: "أنا ما زلت في الطريق"؛ فهذه الفكرة وحدها تصنع فرقًا هائلًا؛ لأن الإنسان حين يرى نفسه فاشلًا يتوقف، أما حين يرى نفسه في رحلة، فإنه يكمل رحلته حتى لو كان ببطء، والشخصية السوية لا تتطلب أن تصل بسرعة، بل أن تستمر بثبات .. حاول أيضًا أن تصنع لنفسك بيئةً تساعدك ولا تعيقك؛ فابتعد – قدر الإمكان – عن كل ما يُضعِف عزيمتك، واقترب من كل ما يذكّرك بالخير والصلاح، واعلم أنه ليس المطلوب أن تغيّر حياتك بالكامل، بل أن تعدّل اتجاهك قليلًا، أن تضع نفسك في مسار أقرب للصلاح، وأقرب للخير، وأقرب لما تريد أن تكون عليه .. وتذكّر أن إعادة البناء لا تعني أن تصبح مثاليًّا، بل أن تصبح أكثر وعيًا؛ فقد تخطئ مرةً أخرى، وقد تضعُف، وقد تعود لبعض عاداتك القديمة، لكن الفرق الآن أنك ستنتبه أسرع، وستعود أسرع، وستفهم نفسك بشكل أفضل، وهذا في حد ذاته تطورٌ كبيرٌ؛ فالشخص السوي ليس من لا يسقط، بل من يعرف كيف يقوم، وكيف يتعلم من كل مرةٍ سقط فيها .. ولا تنسَ أن تمنح نفسك فرصةً حقيقيةً، وأن تتعامل معها برفق لا بقسوة؛ فالتغيير الذي يأتي بالعنف مع النفس لا يستمر، أما التغيير الذي يأتي بالفهم والهدوء، فإنه يثبت ويكبر مع الوقت؛ فكن صبورًا على نفسك، كما كنت تتمنى أن يكون الآخرون صبورين عليك .. وفي النهاية اعلم أن الطريق ما زال مفتوحًا، وأن رمضان لم يكن إلا بداية الإشارة، لا نهاية الرحلة؛ فيمكنك من الآن - من هذه اللحظة – أن تبدأ، وأن تعيد ترتيب نفسك، وأن تختار أن تكون أفضل، وأن تقترب أكثر من الصلاح والخير الذي تبحث عنه؛ فالحياة لا تُمنح لمن بدأوا بدايةً مثاليةً، بل لمن قرروا أن يستمروا مهما كانت البداية بسيطة.
وفي الختام أقول: هكذا نطوي صفحةَ رمضان، لا لنودّعه بل لنحْمِله معنا، روحًا تسري، وقيمًا تبقى، ونورًا لا ينطفئ؛ فمن خرج من رمضان سويًّا فقد فاز، ومن أدرك طريق الشخصية السويةِ فقد اهتدى، ومن عزم على الاستمرار فقد بدأ الطريق حقًّا لا ادّعاءً؛ فالشخصية السويةُ ليست لحظةً عابرة، بل مسيرة عامرة، ولا هي أمنيةٌ تُرجى، بل إرادةٌ تُبنى وتُرعى؛ فكن من أهل الاتزان، وامضِ بثباتٍ وأمان، واذكر دومًا أن خير ما خرجْتَ به من رمضان، قلبٌ يعرف الرحمن، ونفسٌ تسير على درب الإحسان؛ فقد انتهى رمضان وبقي الامتحان، انتهت الأيام وبقي الأثر والبرهان، فإما نفسٌ سَمَتْ فثبتت، أو نفسٌ غفلت فانتكست؛ فاجعل من نفسك نفسًا سويّةً لا تميل، ومن قلبك قلبًا واعيًا لا يغفُل ولا يستكين؛ فالسعيد من حَمَل رمضانَ في أخلاقه لا في ذكرياته، وفي سلوكه لا في حكاياته؛ فامضِ على العهد، واثبُت على الوعد، وكن كما أردتَ أن تكون، عبدًا لله في رمضان .. وبعد رمضان.

كل رمضان أنتم تُحيون القلوب، وتُصلحون الدروب، وتُجدِّدون العهد، وتثبُتون على القصد
وداعًا أيها الأحباب .. نسألكم الدعاء بصلاح الحال وحسن الخاتمة .. جمعنا الله بكم في الدنيا على طاعته وفي الآخرة مع الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم