بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتحالف مع إسرائيل هجومها على إيران يوم الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، هجوماً استُهدف منذ بدايته المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه عدد كبير من القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري الإيراني، تبتغي منذ البداية إحداث فراغٍ في رأس هرم السلطة والقيادة العسكرية في إيران، مراهنة على إحداث فوضى وسقوط النظام ومن ثم الانتصار في حربٍ سريعة راهنت على الانتصار فيها من خلال أربع أوراق هي:
أولاً: التفوق العسكري الأمريكي:
يعد التفوق العسكري الأمريكي أهم ورقة راهنت عليها أمريكا للانتصار في الحرب، فهناك فارقٌ شاسع في القوة العسكرية بين الأمريكية- الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى في كل شئ، بداية من حيث الميزانية وعدد الجنود وعدد الطائرات وأنواعها المتقدمة إلى جانب أسطول البحر وحاملات الطائرات وغيرها، ويكفي للدلالة على الفارق العسكري الكبير دون الخوض في تفاصيل معروفة ذكر أن الجيش الأمريكي يحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث القوى العسكرية، ويحتل الجيش الإسرائيلي المرتبة الخامسة عشرة عالمياً، بينما يقبع الجيش الإيراني في المرتبة السادسة عشرة عالمياً أي بعد إسرائيل مباشرة، وكذلك فقد عزز نجاح قوات دلتا الأمريكية في اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو دون مقاومة تذكر، ثقة الرئيس الأمريكي في قدرة العسكرية الأمريكية إلى جانب إسرائيل في تحقيق انتصارٍ سريعٍ في الحرب، ولكن رغم قوة العسكرية الأمريكية وخبرة الجيش الإسرائيلي، لكن ورقة القوة العسكرية وحدها لم تكفِ للانتصار في الحرب على إيران.
ثانياً: الثورة على النظام الإيراني:
شهدت إيران عدداً من الاحتجاجات لأسباب مختلفة ما بين سياسية واقتصادية، حيث عمت الاحتجاجات لأسباب سياسية عامي 2009، احتجاجاً على نجاح الرئيس الأسبق نجاد، وهي ما عرفت بالثورة الخضراء، و2022 احتجاجاً على مقتل مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق والمطالبة بحرية المرأة، بينما كانت الاحتجاجات الاقتصادية أعوام 2017 و 2019 و2025 وتمثلت أسبابها ما بين الاعتراض على رفع أسعار البنزين في الأخيرة، بينما بدأت في عام 2025 بسبب إضراب تجار احتجاجاً على تقلبات أسعار العملة وانعكاسها على معدلات البيع والشراء، وقد اتسعت رقعة الاحتجاجات وعمت مدناً كثيرة في إيران، وخلّفت آلاف القتلى.
ارتأت الولايات المتحدة استخدام الاحتجاجات الأخيرة 2025- 2026 كورقة مهمة لإسقاط النظام الإيراني، فأعلن الرئيس ترامب دعمه ومساندته للمحتجين وحذر النظام من قتل المحتجين، كما دعم الأمير رضا بهلوي نجل الرئيس الإيراني المخلوع لتأسيس نظام جمهوري جديد على أنقاض النظام الحالي، لكن خبرة النظام الإيراني في التعامل مع الاحتجاجات وقدرة العناصر الأمنية وقوات الحرس الثوري والباسيج، في التعامل مع الاحتجاجات أفشلت استخدام هذه الورقة.
مع بداية الحرب الحالية في أواخر فبراير الماضي راهن الرئيس ترامب على ثورة الداخل الإيراني في حالة مقتل المرشد الأعلى خامنئي، فدعاهم إلى الثورة على النظام وإسقاطه من الداخل، لكن رهانه على هذه الورقة فشل هذه المرة أيضاً لعدم ثقة الإيرانيين في الولايات المتحدة وإسرائيل، ولطبيعة الشخصية القومية الإيرانية التي دفعتهم الحرب ومقتل الزعماء للالتفاف حول النظام ضد العدوان الخارجي.
كذلك سعى ترامب إلى تقليب القوميات في الداخل الإيراني ضد النظام، حيث تضم إيران عدداً من القوميات غير الفارسية من أهمها الأكراد والآذريون والأحواز والبلوش وغيرهم، ولكن فشل هذا أيضاً حتى الآن، نظراً لاختلاف طبيعة كل من تلك القوميات، وكذلك لتنبه النظام الإيراني إلى مثل تلك المحاولات والتعامل معها مثلما حدث مع الأكراد. ولذلك فشلت المراهنة على ثورة الشعب أو الأقليات حتى الآن، ولكن ربما يكون لها دورٌ فاعل في المستقبل بعد انتهاء الحرب.
ثالثاً: تصفية رؤوس النظام:
أراد الرئيس ترامب تكرار سيناريو شبيه بفنزويلا في إيران، فقد أراد أن يحدث فراغاً في السلطة في إيران باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ورؤساء النظام، لتدخل إيران في حالة من الفراغ السياسي، وتشغلها الصراعات على خلافة المرشد الجديد عن المقاومة وإعادة تنظيم الصفوف، وتشجع المحتجين على قلب النظام. لكن الإدارة الأمريكية أغفلت خصوصية النظام في إيران، فرغم وجود المرشد الأعلى على رأس السلطة، لكن البلاد تدار من خلال شبكة كبيرة معقدة من المؤسسات الدينية والعسكرية والقانونية، تتشابك فيما بينها، فهناك الجيش والحرس الثوري وقوات الباسيج التابعة له، وهناك البرلمان الإيراني ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الخبراء وغيرها من المؤسسات، ولهذا فبعد اغتيال المرشد خامنئي والقيادات العسكرية، أعاد النظام تنظيم أموره، وتولت قيادات الصف الثاني المؤسسات العسكرية، وتم انتخاب مرشد جديد في سلام، ونقلت السلطة إلى ابن المرشد السابق وخليفته مجتبى خامنئي، وهو ما يعني فشل المراهنة على اغتيال المرشد، ولكن حسبما يتضح من تصريح الجيش الإسرائيلي فإن إسرائيل سوف تواصل سياسة تصفية الرؤوس الفاعلة في النظام الإيراني، رغم أن ذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من التشدد في الموقف حيال العلاقات مع أمريكا وإسرائيل.
رابعاً: تحييد الأذرع:
كانت الفرصة قد سنحت لإسرائيل مع حرب السابع من أكتوبر 2023م لإضعاف الأذرع الإيرانية في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، الذي نجحت إسرائيل في اغتيال زعيمه الأبرز حسن نصر الله، وكذلك خروج سوريا من دائرة السيطرة الإيرانية. لكن مع بدء الحرب الحالية نهاية فبراير الماضي واغتيال الرمز الديني الأكبر للشيعة في العالم، دخل حزب في لبنان والمقاومة الإسلامية في العراق على خط الاشتباكات، وقصفوا إسرائيل بالعديد من الصواريخ البالستية.
هكذا فقد فشلت مراهنات الأمريكيين على فراغ السلطة وتقليب المتظاهرين وكذلك تحييد الأذرع في الحرب على إيران، ولم يعد لديها مع بداية الحرب سوى ورقة التفوق العسكري الكبير، والذي اتضح أنه لا يكفي وحده لحسم الحرب لصالحهما على الأقل في الوقت الحالي.
أستاذ دراسات إيران وآسيا الوسطى
كلية الآداب- جامعة عين شمس
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
