إعلاناً لفشل الدبلوماسية، وقعت الحرب الإيرانية- الأمريكية الإسرائيلية السبت الماضي متجاوزة الخطوط الحمراء بقتل الزعيم الديني والسياسي لإيران المرشد علي خامنئي وعددٍ من قيادات الحرس الثوري ومؤذِنة بحرب مفتوحة تتخطى حدود الردع ومنذِرة باشتعالٍ إقليمي، حيث تعرضت إيران لضربات مؤثرة مبنية على معلومات مسبّقة قضت على القيادات العسكرية والقيادة الدينية، بينما قصفت في رد فعلها القواعد العسكرية في دول الخليج العربي، ومنعت المرور من مضيق هرمز وأغرقت السفن التي لم تستجب لتحذيراتها، وصرح إبراهيم جباري، مستشار القائد العام للحرس الثوري بنيتهم الهجوم على أنابيب النفط وعدم السماح بخروج النفط من المنطقة حتى اختناقها. وبينما تتباين التحليلات حول استخدام إيران لورقة دول الخليج والمضيق وإمكانية إشعال حربٍ متعددة الجبهات، يطرح هذا السؤال المهم عما إذا كان الجيش الإيراني والحرس الثوري فقد السيطرة على نفسه وأصبح يتخبط عشوائياً ويورط بلاده في عداءات متعدددة؟ ويمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط التالية:
- الالتزام بالخطوط الحمراء:
يجب الاعتراف أن إيران دولة منهكة نتيجة عقود من العقوبات أسهمت في تردي أوضاعها الاقتصادية، والتي انعكست بالطبع على قدراتها العسكرية المشمولة ضمن العقوبات، والتي أعجزت النظام الإيراني عن تطوير قدراته العسكرية بالشكل الكافي، ولهذا فإن النظام الإيراني كان يعلم جيداً بوجود فارق كبير في القوى بينه وبين أمريكا وحدها، ناهيك عن وجود إسرائيل إلى جانبها، ويكفي للتدليل على ذلك ذكر أن الميزانية العسكرية لإيران في حدود 15.5 مليار دولار، بينما تتجاوز الميزانية العسكرية الأمريكية 800 مليار دولار، ناهيك عن فارق القوة الرهيب في الطيران والبحرية والقوات البرية وامتلاك أمريكا للقوة النووية، ولهذا لم تسعَ إيران إلى الصدام العسكري مباشرة مع أمريكا أو تجاوز الخطوط الحمراء بما يمكن أن يؤدي إلى تصاعد الصراع المباشر إلى هذا الحد، وحتى تصعيد إيران سابقاً ونبرتها التصاعدية في الفترة الأخيرة كانت لموازنة الضغط الأمريكي، كي لا تضطر إلى الرضوخ لاتفاق لا يراعي مصالحها.
- تجاوز الخطوط الحمراء:
المختلف هذه المرة أن تجاوز الخطوط الحمراء لم يقتصر على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، ولكن في إعلان أمريكا وإسرائيل صراحة نيتهما تدمير إيران، وهكذا جاءت ضرباتهما مركزة تحدث أضرارً غير قليلة. وفي المقابل فليس لدى إيران القدرة العسكرية والاستخباراتية على إحداث خسائر جسيمة بالقوات الأمريكية على وجه الخصوص، ولذا فقد اختارت البديل الآخر الذي كانت دائماً ما تهدد به وهو إشعال المنطقة، واستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، ووقف تصدير النفط الخليجي، وهو ما يعده البعض انتحاراً إيرانياً.
- موازنة التهديدات:
إن قيام الجيش الإيراني بمهاجمة القواعد العسكرية وكذلك تعطيل مصافي النفط وغيرها من الهجمات على بلدان الخليج العربي التي تضم قواعد عسكرية أمريكية ربما يكون انتحاراً من الناحية السياسية وليست العسكرية، فمهاجمة إيران لدول الخليج التي أعلنت حياد أراضيها خلال الحرب، بل وقام بعضها بدور الوساطة لدى الطرف الأمريكي أفقد إيران سنوات من التحرك الدبلوماسي لتحسين علاقاتها في محيطها الإقليمي، وأعادها سنوات للوراء حينما كانت معزولة إقليمياً، لأن الدول التي تمت مهاجمتها لن تعتبرها ثانية جاراً يمكن الوثوق به، ولكن ستراها دائماً مصدر تهديد محتمل.
على المستوى العسكري لا يعد ما تقوم به إيران انتحاراً، ولكنه خطوة لتأكيد أهميتها الجيواستراتيجية وقدرتها على تأزيم الطاقة في العالم، وجعل مهاجمتها فيما بعد خياراً عالي التكلفة، ولكنه رغم ذلك خيارٌ محفوف بالمخاطر، حيث لا تضمن إيران تفاقم الوضع في أي لحظة وتورطها في جبهات مختلفة قبل وصول الأمور إلى التهدئة.
إن استخدام إيران لورقة النفط والمصالح الأمريكية في الخليج يدخل فيما يسمى بموازنة الضغوط وليس موازنة القوى، فكما يتضح من تصريح مستشار القائد العام للحرس الثوري فإنها تهدف إلى خنق تصدير النفط من المنطقة، وهذا على المستوى الإقليمي يضر بمصالح الدول المنتجة للنفط، ويحولها من دور الوسيط سابقاً إلى دور المشارك الفاعل في الأحداث، الذي سيحمل الهجوم الأمريكي على إيران تبعات الإضرار بمصالحه الاقتصادية جراء حربٍ لا هدف لها، ومن ثم يضع أمام تلك الدول خيارين للتعامل مع تلك الأزمة، أحدهما: الاشتباك في الحرب الدائرة ضد إيران حفاظاً على مصالحهم، وهو خيار ليس مرجحاً لسببين؛ أولهما أن دخول بلدان الخليج على خط الاشتباك لن يحدث فارقاً كبيراً إلى جوار القوات الأمريكية والإسرائيلية خاصة وأن أمريكا، وثانياً أن انخراط بلدان الخليج في الاشتباك سيتيح لإيران استهدافهم مباشرة، وسوف يتعرضون للعديد من الخسائر إلى حين انتهاء الحرب.
الخيار الثاني هو اضطرار دول المحيط الإقليمي المصدر للنفط والأخرى المستوردة له لإنهاء الأزمة حفاظاً على مصالحهم، خاصة وأن أسعار النفط قد ارتفعت بنسبة 50% منذ اندلاع الأزمة، ولهذا الأمر تبعاته على الاقتصاد العالمي كله.
- الثورة من الداخل:
انخدع النظام الأمريكي باحتجاجات الفترة السابقة ضد النظام الإيراني، ووضع ضمن أوراقه إثارة الشعب الغاضب على النظام، واعتبر أن سقوط رأس النظام (المرشد) فرصة سانحة سوف يستغلها الشعب للثورة من الداخل، ولكن هذا لم يحدث، لأن الإيرانيين لا يرون في اغتيال زعيمهم من قبل أمريكا انتصاراً يدعو إلى مسايرة رغبة الأمريكيين في الثورة وإسقاط نظامهم في هذا التوقيت، الذي سيسلم البلاد إلى الفوضى، وهكذا ففي ظل عدم استجابة الشارع الإيراني للثورة ومساندة النظام، وفي ظل عدم القدرة على إسقاط النظام إلا بتدخل بري، وهو أمر مستبعد نظراً لمخاطره، يظل النظام الإيراني الحالي قائماً في إيران، وفي ظل تحكمه في أوراق ضغط يتحمل مسئوليتها الرئيس الأمريكي، وتمتد آثارها إلى المحيط الإقليمي والدولي، يرجح أن يتم إنهاء الصراع خلال الأسابيع القادمة بموافقة الرئيس الأمريكي وليس الإسرائيلي، ولكن حتى هذا الحين سوف تتعرض أطراف الصراع المباشرة وغير المباشرة إلى مزيد من الخسائر، والتي سيكون نصيب إيران منها كثيراً.
أستاذ دراسات إيران وآسيا الوسطى
كلية الآداب- جامعة عين شمس
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض