دخلت الاحتجاجات الإيرانية أسبوعها الثالث، وسط تصاعد لأعمال العنف، وبين تهوين داخلي وتهويل خارجي وبين نبرات وطنية ونبرات تخوين، وهو ما جعل من إيران ساحة للصراعات الاستخباراتية الإيرانية والمعادية، وعقّد الوضع بما يجعل من الصعب التكهن بمصير الاحتجاجات والنظام الإيراني.
الاختلاف هذه المرة:
ليست الحركات الاحتجاجية أمرٌ جديد على إيران، فقد اختبرت كثيراً من الحركات الاحتجاجية، كان من أهمها في الألفية الثالثة احتجاجات 2009 على تزوير الانتخابات لصالح الرئيس الأسبق أحمدي نجاد لفترة رئاسية ثانية، وهو ما أدى لاندلاع احتجاجات كبيرة، ووجهت بقمع من الأجهزة الأمنية وتم القبض على العديد من المحتجين وفرضت الإقامة الجبرية على زعيمي الحركة ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، ثم الحركات الاحتجاجية في 2017 بسبب زيادة الأسعار، وفي 2019 بسبب زيادة أسعار الوقود، وفي 2022 بسبب مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق في إيران.
لكن الأمر مختلف هذه المرة في الداخل الإيراني والخارج أيضاً، فالوضع الاقتصادي في إيران بات في أسوأ حالاته بشكلٍ غير مسبوق، حيث قارب التضخم 50% وارتفاع الأسعار وهبوط للريال الإيراني أمام الدولار، ونتائج ذلك مباشرة على الشعب الإيراني من تراجع حاد في مستوى المعيشة، إلى حد تراجع شراء الهواتف المحمولة، وتراجع شديد في شراء الألبان بسبب ارتفاع أسعارها، وعدم القدرة على شراء اللحوم والدواجن وحتى بيض المائدة، وكساد سوق الأجهزة المنزلية، وتراجع عام شديد في القوة الشرائية بشكلٍ عام، بالتزامن مع رواج سوق المستعمل نظراً لعدم قدرة الشعب الإيراني على مجاراة الأسعار، وبالرغم من أن معاناة الإيرانيين الاقتصادية بدأت منذ سنوات عديدة، لكنها ازدادت بشكلٍ غير مسبوق مع تشديد الحصار الأمريكي عليها، ومع تبعات حرب الاتني عشر يوماً مع إسرائيل، والتي لازالت إيران تعاني من تبعاتها على الاقتصاد وتدمير للبنية التحتية حتى الآن.
على المستوى الخارجي، فإن إيران إيران أيضاً في أضعف حالاتها، حيث تم إضعاف أذرعها في الشرق الأوسط بتغيير النظام السوري الحليف الأكبر، والضربات المتكررة التي أضعفت حزب الله عن طريق إسرائيل وبدعم أمريكي من الرئيس ترامب، الذي يمثل وجوده على رأس النظام الأمريكي تغييراً كبيراً لغير صالح إيران، فتعاطي ترامب مع أدوات القوى الإيرانية سواء البرنامج الصاروخي أو النووي وحتى أذرع الإقليمية أقوى كثيراً عنه في فترة بايدن في 2022 وأوباما في 2009 اللذين لم تتعدى مواقفهما التنديد والشجب دون دورٍ فاعل.
وفرت أمريكا كذلك منصة مهمة للأمير رضا بهلوي بن الشاه المخلوع رضا بهلوي كبديل للنظام الإسلامي الإيراني وشخص خامنئي، وساندت مع إسرائيل الاحتجاجات الإيرانية ودعمتاها كورقة ضغط كبيرة لرضوخ النظام الإيراني، ناهيك عن عملائهم الاستخباراتيين داخل إيران، وعلى رأسهم مهرداد رحيمي ضابط الموساد المسئول عن التنسيق بين العملاء في الداخل الإيراني وإشاعة الفوضى والعنف، ويدخل ضمن ذلك أيضاً فتح إيلون ماسك للإنترنت المجاني لتعويض قطع الإنترنت في إيران، وكذلك الترويج الواسع النطاق للحركات الاحتجاجية في الداخل الإيراني، ولداعميها من الإيرانيين في أمريكا وأوروبا، والحسابات التي تعلن صراحة معارضتها لشخص خامنئي وإحراق صورته، ولا يستبعد أن يكون كثير من هذه الحسابات تدار من داخل إسرائيل وأمريكا، مثلما كشف تحديث منصة إكس من أشهر.
الأمير رضا بهلوي:
يبرز الأمير رضا بهلوي وسط هذه الأحداث المشتعلة كبديل مطروح لنظام الجمهورية الإسلامية، وسط انتشار شعارات "جاويد شاه" (يحيا الملك)، "اين اخرين نبرده، پهلوي برمی گرده" (هذه المعركة الأخيرة، والبهلوي سوف يعود)، "رضاشاه، روحت شاد" (رضا شاه، لروحك السعادة)، وهي شعارات تطالب بعودة رضا بهلوي على رأس النظام في حال النجاح في خلع النظام.
الرئيس مسعود بزشكيان:
يبرز الرئيس مسعود بزشكيان وسط تلك الأحداث، معرباً عن تقديره للمطالب السلمية للمحتجين، وملقياً بجزءٍ كبيرٍ من اللوم على سياسات النظام، لأن الداخل الإيراني هو هو المسئول عن السياسات الاقتصادية التي أدت إلى هذا الوضع، وإن كانت بالطبع تتأثر بشدة بالخارج. والحقيقة أن موقف الرئيس بزشكيان يبدو مرتبكاً، حيث ينتقد النظام الذي هو جزء منه وسط غضب بل ومواجهة حادة من التيار الأصولي. لكن هذا الارتباك مرده إلى الطبيعة الازدواجية للنظام الإيراني، الذي يضع المرشد على قمة النظام بكل الصلاحيات الممكنة، في مقابل رئيس الجمهورية محدد الصلاحيات، الذي لا يتعدى فعلياً مرتبة رئيس الوزراء، حيث إنه المسئول عن الميزانية ولكن بعد عرضها على البرلمان الإيراني، ورغم أنه من يتحمل تبعات الفشل الاقتصادي، لكنه عاجزٌ فعلياً عن مواجهة سطوة رجالات الحرس الثوري والحوزة الدينية الذين يتداخلون بقوة في الاقتصاد الإيراني، من شركاتهم في الداخل ومن بينها خاتم الأنبياء على سبيل المثال وغيرها، وشركاته هي المستفيدة بشكلٍ أساسي من دعم العملة وتجارة الظل، ومرتبطون بشبكات الفساد التي تعيق الاصلاح الاقتصادي، دون أن يكون للرئيس الإيراني أي قدرة فعلية على مواجهتهم.
مستقبل النظام الإيراني إلى أين:
وسط هذا الصراع المحتدم يبرز التساؤل عما يمكن أن تفضي إليه هذه الاحتجاجات:
هناك سيناريوهان، إما سقوط النظام، أو استمراره:
أما سقوط النظام، فهو أمر لم يعد بعيداً، نظراً لأن المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد والنظام الإيراني هي مشكلات بنيوية، تحتاج لعشرات السنين لحلها في حالة تحسن الوضع الاقتصادي وتخفيف العقوبات، وخطوات النظام لحل هذه المشكلات هو مجرد تخفيف لآثارها وليس الجذور، ومن ثم فاحتمال سقوط النظام آتي، إذا ما يجد حلولاً جذرية لهذه المشكلات، ولكن ليس في الوقت الحالي، نظراً لأن:
أولاً: طرح الأمير رضا بهلوي كبديل أمريكي الهوى لم يكن في صالح المحتجين، حيث العديد ممن عاصروا النظام الملكي لن يرضوا به مرة ثانية، ناهيك عن مؤيدي النظام والمتدينين الذين نزل العديدون منها لتأييد النظام.
ثانياً: بالرغم أن المرشد يقبع على قمة النظام الإيراني، لكنه الحكم الإيراني يتسم بالمؤسسية لا حكم الفرد، فخلف المرشد يقبع جيشٌ من الحرس الثوري ورجال الحوزة، الذين إما يدينون له بالولاء أو منتفعون من وجود نظامه، وهؤلاء مسيطرون على عصب الدولة الإيرانية، ولن يرضوا بخروج الأمر خارج عباءتهم، وحتى في حال تغير النظام، فسوف يتغير شخص المرشد، وتطبق بعض الاصلاحات مع وجود دولتهم العميقة في مفاصل الدولة.
ثالثاً: لكن يكون سقوط النظام بهروب خامنئي خارج البلاد أو اختطافه كرئيس فنزويلا، فطبيعته الثورية والإسلامية لن تجعله يرضى أن يكون لاجئاً في دولة أخرى، والخياران الأقرب إما النجاح في اغتياله، أو تنحيه عن السلطة مع بقائه في إيران، وهذا الخيار ليس المرجح خلال هذه الاحتجاجات رغم اشتدادها.
رابعاً: لا توجد أي مؤشرات على انشقاق في النظام أو في قواته العسكرية والأمنية، وهو ما ينبئ عن حالة من التماسك، بالتوازي مع حسن إدارة النظام للاحتجاجات، والتي اكتسبها من خلال خبرته السابقة، حيث اقترنت الاحتجاجات بأعمال العنف والقتل، والتي أعطت الحق للنظام في استعمال القوة للتصدي للعنف والتخريب والحفاظ على الدولة، ومن ثم أعطت مبرراً للتعامل الشديد مع تلك الاحتجاجات، وكذلك الدفع بنزول بمظاهرات مليونية مؤبدة للنظام، التي خلقت ازدواجية في الشارع الإيراني، وأضعفت صوت المحتجين، خاصة مع ما اتخذته الخارجية الإيرانية من عرض مشاهد العنف والقتل على سفراء الترويكا الأوروبية وإيطاليا وهو ما منحهم الشرعية للتصدي لذلك.
خامساً: إن التهديد الأمريكي والإسرائيلي بمهاجمة إيران- رغم احتمال وروده- لكنه احتمال حدوثه ضعيف، نظراً لارتفاع مخاطره، من هجوم إيراني شديد على إسرائيل، وكذلك مهاجمة المصالح الأمريكية بقوة في المنطقة، وهو ما لا تبغيه أمريكا أو إسرائيل، ولكن دعم الاحتجاجات للضغط على النظام الإيراني للوصول إلى اتفاق للحد من قوة إيران، وهو ما يمكن ملاحظته مخن الرسائل المتبادلة عن طريق الخارجية العمانية، وإن كان احتمال توجيه ضربة أمراص غير مضمون في ظل إدارة ترامب التي لا تلتزم بقواعد للعب.
وفي النهاية، فإن احتمال سقوط النظام الإيراني وارد إذا استمرت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية، ولكنه رغم قادر على الصمود لجولة أخرى.