بالصور.. متطوعا في موائد الرحمن
عندما خلع السفير الآسيوي بدلته الدبلوماسية.. وشارك "أم الدنيا" في خدمة النازحين
في إحدى أمسيات رمضان، حيث تتداخل خيوط الغروب مع أذان المغرب، وعلى بعد أمتار من موائد الرحمن، كان المشهد مختلفاً. لم تكن الكاميرات تبحث عن سياسي يلقي خطاباً، ولا عن دبلوماسي يوزع وعوداً. كانت تتعقب رجلاً آسيوي الملامح، يتحدث بلغة الابتسامة، يحمل وجبات طعام ساخن ويتنقل بين الجالسين على الطاولات.
المشهد داخل مقر موائد "ضيوف مصر" مختلفاً تماماً، حيث طاولات ممتدة بطول الأمل وعرض الرحمة، جلس العشرات من الصائمين من جنسيات مختلفة: فلسطينيون نازحون من غزة، سودانيون، سوريون، يمنيون، ومصريون من مختلف المحافظات.
وما لفت الأنظار ذلك الرجل ذو الملامح الآسيوية، الذي كان يتنقل بين الطاولات حاملاً يوزع الوجبات على الجالسين بابتسامة لا تفارق وجهه، والضيوف ينتابهم التعجب هل هو متطوع ام مسؤول كبير ولكن ابتسامته كانت رسالة حب واطمئنان .
إنه السفير دومينيك جوا، سفير جمهورية سنغافورة بالقاهرة. الرجل الذي يمثل واحدة من أقوى المراكز المالية في العالم، حيث يصل دخل الفرد السنوي إلى 120 ألف دولار، اختار أن يكون متطوعا في خدمة ضيوف مصر ويقضي أمسيته بين النازحين في مصر ، متنقلاً بين الطاولات الممتدة يوزع الوجبات.
المتطوع الذي لا يعرف المستحيل
يقف الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري، جانباً يشاهد السفير وهو يتنقل بين الطاولات. ويقول ل"الوفد":
"انظروا إليه.. هذا الرجل بملامحه الآسيوية وابتسامته المشرقة يوزع الوجبات على الجالسين وكأنه واحد منا. لا بروتوكول، لا حرس، لا كاميرات تركز عليه فقط. هو فقط إنسان يريد أن يشارك في هذا العمل الإنساني الكبير."
يخلع السفير دومينيك الرداء الدبلوماسي منذ اللحظة الأولى ويرتدي مريول المتطوعين. يبدأ بالسؤال عن المهام، عن طريقة التوزيع، عن الأسر المستحقة. ثم ينطلق بين الطاولات، يحمل وجبات ساخنة، يوزعها على الصائمين الواحد تلو الآخر.
طاولات تجمع العالم
تتميز موائد "ضيوف مصر" هذا العام بتنظيم يليق بالحدث، وقال ممدوح ، أن تنظيم الطاولات في صفوف أنيقة، تتوزع المقاعد للجميع، وتسود أجواء عائلية دافئة. تجد على كل طاولة خليطاً من الجنسيات: عائلة فلسطينية فقدت منزلها في غزة تجلس بجوار أسرة سودانية، وشاب سوري بجوار عامل مصري.
يتنقل السفير السنغافوري بين هذه الطاولات، لا يفرق بين جنسية وأخرى. يقف بجانب كل طاولة، يوزع الطعام، يبتسم، يتبادل كلمات بسيطة: "رمضان كريم"، "بالهنا والشفا"، "صوماً مقبولاً".
لا تنتهي مهمة السفير عند توزيع وجبات الإفطار. يرفع الآذان ويتناول الجميع طعامهم، ثم تبدأ مرحلة جديدة. تنتظر مئات الطرود الغذائية توزيعها على الأسر النازحة، خاصة من قطاع غزة. يحتوي كل طرد على مواد غذائية تكفي أسرة مكونة من خمسة أفراد لمدة شهر كامل، مشيدا بدور المجتمع المدني المصري و بجهود مجلس الشباب المصري في دعم المتضررين من النزاعات .
يقف السفير حاملا الطرود مع الشباب المتطوعين، يساعد في ترتيبها، ويتابع عملية التوزيع بنفسه. يراجع الأسماء، يتأكد من وصول كل طرد إلى مستحقيه.
قال الدكتور محمد ممدوح:"شاهدت بعيني هذا الرجل وهو يراجع كشوف المستحقين، يسأل عن كل أسرة، يطمئن على وصول المساعدات. لم يكن هناك أي تكلف أو تصنع. كان يعمل بحب حقيقي معنا وإيمان عميق برسالة العمل الإنساني ..يعمل بدون تكلفه وسط فريق المتطوعين من الشباب"
رسالة من سفير إلى العالم
يقف السفير دومينيك جوا في ختام الزيارة يتأمل المشهد الختامي: طاولات ممتلئة ببشر من ثقافات مختلفة، أطفال يلعبون، أمهات يبتسمن، وآباء يتبادلون أطراف الحديث. التفت إلى الدكتور ممدوح قائلا بتأثر: "هذا المشهد لا يمكن رؤيته في أي مكان آخر في العالم. هذه الطاولات التي تجمع الفلسطيني والسوداني والسوري والمصري، هذا التنظيم الرائع، هذه الوجوه المبتسمة رغم كل ما مروا به... مصر وحدها هي القادرة على صنع هذا. سأحمل هذه الصورة في ذاكرتي وأنا أعود إلى بلدي."
يضيف السفير ١: "ما رأيته هنا من تنظيم وروح تطوعية يعكس صورة مشرفة للإنسانية، ومصر تقدم درساً في التضامن يستحق الدراسة والتقدير."
ابتسامة لا تنسى
تعلق في أذهان الحاضرين أكثر ما علق: ابتسامة السفير. تلك الابتسامة التي لم تفارق وجهه طوال ساعات تواجده في المبادرة. ابتسامة تكسر كل الحواجز، وتتجاوز كل اللغات.
يقول أحد المتطوعين الشباب"كنا نظن في البداية أن وجود سفير بيننا سيكون ثقيلاً، وأننا سنضطر للتعامل بحذر. لكنه كان العكس تماماً. كان يمر بين الطاولات، يوزع الطعام، ويمزح مع الجميع. في لحظة ما، نسينا تماماً أنه سفير وتذكرنا فقط أنه إنسان طيب القلب."
يختتم الدكتور محمد ممدوح تصريحاته قائلاً: "ما فعله سفير سنغافورة اليوم هو رسالة إلى العالم أجمع.. رسالة تقول إن العمل الإنساني لا يعرف جنسية ولا لغة ولا دين. رسالة تقول إن مصر، أم الدنيا، ما زالت قادرة على جمع العالم حول مائدة واحدة. رسالة تقول إن الخير ما زال موجوداً، وإن الابتسامة الواحدة قادرة على تغيير عالم بأكمله."
قصة إنسانية جديدة تكتب بخط سفير سنغافورة دومينيك جوا تحمل في مضمونها رسالة :" أن الابتسامة لا تحتاج إلى ترجمة، وأن العطاء هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع وأن مصر تحتضن ضيوفها بحب وكرم".







تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض