إعلامي يكشف كيف حولت العزلة ابنة الأرستقراطية إلى هيكل عظمي فاقد للعقل؟
قال الإعلامي نوح غالي، إن الفيلسوف بليس باسكال يقول: "كل مشاكل البشرية تنبع من عدم قدرة الإنسان على الجلوس وحيدًا في غرفة صامتة"؛ موضحًا أنها جملة قد تبدو بسيطة، لكنها تلخص الرعب الحقيقي الذي يهرب منه الجميع؛ فالعزلة ليست مجرد غياب للناس، بل هي مواجهة مباشرة مع الوحوش التي تسكن أفكارنا، حيث تسقط الأقنعة ولا يتبقى سوى أنت في مواجهة الحقيقة المطلقة.
اقرأ ايضًا.. نوح غالي يروي قصة ساعي البريد الذي بنى قصره في 33 عامًا
وأوضح “غالي”، خلال برنامج “تفاصيل الحكاية”، المذاع على قناة “الشمس”، أنه في عام 1901، اهتزت فرنسا على وقع جريمة بشعة كشف عنها بلاغ مجهول ضد عائلة أرستقراطية محترمة؛ فخلف باب مغلق في دور علوي، عثرت الشرطة على هيكل عظمي حي، وكانت تلك "بلانش مونييه"، الابنة التي حبستها أمها لمدة 25 عامًا في غرفة مظلمة وسط القاذورات، عقابًا لها على رغبتها في الزواج من محامي فقير، فربع قرن من العزلة لم يقتل جسد بلانش، لكنه قتل الإنسان داخلها؛ وخرجت فاقدة لعقلها، عاجزة عن الكلام، تخشى الضوء، وكانت العزلة هنا قبرًا مفتوحًا وصناعة متعمدة للجنون.
ولفت نوح غالي إلى أن الحقيقة غالبًا ما تكون أقسى من الرواية؛ فقصة "روبنسون كروزو" الشهيرة استُلهِمَت من مأساة البحار الإسكتلندي "ألكسندر سلكريك" الذي عاش وحيدًا على جزيرة مهجورة لمدة 4 سنوات، وحين أُنقذ سلكريك، كانت الصدمة أن عقله بدأ يمسح برنامج اللغة لتوفير الطاقة، ونسي كيف يتكلم وأصبح يصدر أصواتًا حيوانية، وأثبتت العزلة هنا أن دماغنا مصمم للتواصل، وبدونه يبدأ الوجود البشري في التآكل.
وأشار إلى أنه على النقيض تمامًا، قد تكون العزلة رحمًا للإبداع؛ ففي عام 1665، حين ضرب الطاعون لندن، اضطر الشاب إسحاق نيوتن للاختباء في مزرعة أسرته لمدة عام ونصف، وبعيدًا عن صخب جامعة كمبريدج، وفي ذلك الهدوء الموحش، اخترع نيوتن علم التفاضل والتكامل، واكتشف قوانين الحركة والجاذبية، والعزلة لنيوتن لم تكن سجنًا، بل كانت فضاءً سمح لعقله بالانطلاق لآفاق لم تدركها البشرية منذ ألف عام، موضحًا أن العزلة لم تكتفِ بتدمير اللغة، بل دمرت الإحساس بالزمن؛ فالعالم الجيولوجي الفرنسي "ميشيل سيفر" عزل نفسه في كهف تحت الأرض لمدة شهرين بلا ساعة أو ضوء شمس، والنتيجة كانت مرعبة؛ ساعته البيولوجية انهارت تمامًا، فقد أيامًا كاملة من ذاكرته، وحين خرج كان يظن أنه لم يقضِ سوى نصف المدة، والعزلة أثبتت أنها تدمر إحساسنا بالوجود وتجعل الوقت يفقد معناه.
ونوه بأنه في عصرنا الحديث، تبرز ظاهرة "الهيكيكوموري" في اليابان، حيث يقرر ملايين الشباب الانسحاب من الحياة وحبس أنفسهم في غرفهم لسنوات، متصلين بالعالم فقط عبر الشاشات؛ فهي عزلة وسط الزحمة؛ أجساد حية في عالم افتراضي، فقدت القدرة على النظر في أعين البشر أو التعامل مع مشاعر حقيقية.
وأكد أن العزلة سلاح ذو حدين؛ نحتاجها لنفكر، لنبدأ، ولنراجع أنفسنا كما فعل نيوتن، لكن إذا تجاوزت حدها تتحول لوحش يلتهم الروح والذاكرة؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يحتاج الونس ليبقى بشرًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض


