خارج المقصورة
يدور فى ذهن السواد الأعظم من أبناء الشعب سؤال متكرر: لماذا يتأثر الاقتصاد المصرى بأى اضطراب خارجى، حتى وإن وقع فى أقصى بقعة من العالم؟ ولماذا تنعكس تلك الأحداث سريعًا على الداخل فى صورة موجات من ارتفاع الأسعار وتقلبات الأسواق؟
الحقيقة أن هذه التداعيات لا تأتى من فراغ؛ فكل اضطراب عالمى يلقى بظلاله على الاقتصاد الوطنى، ويمتد أثره إلى مختلف القطاعات، ليترجم فى النهاية إلى ارتفاعات حادة فى أسعار السلع والخدمات. ويرتبط ذلك بدرجة كبيرة بطبيعة بنية الاقتصاد، التى لا تزال تعتمد بدرجة ملحوظة على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلى، من أبسط السلع إلى أكثرها تعقيدًا، فى ظل ضعف نسبى فى قاعدة الإنتاج المحلى.
مع تصاعد التوترات عالميًا، ترتفع تكاليف الطاقة وفواتير الاستيراد، ما يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد. فزيادة أسعار الوقود لا تقف عند حدود الطاقة فحسب، بل تمتد آثارها إلى سلاسل النقل والخدمات اللوجستية والتوزيع، لترتفع تكلفة الإنتاج والتشغيل فى قطاعات عديدة. ونتيجة لذلك، تتحول هذه الزيادات إلى قناة تضخمية إضافية ترفع أسعار السلع والخدمات، وتفاقم الضغوط التضخمية القائمة بالفعل نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية.
أى حالة من الارتباك فى الأسواق الدولية تدفع فى كثير من الأحيان المستثمرين الأجانب إلى تقليص مراكزهم والتخارج جزئيًا من أدوات الدين أو البورصة، بحثًا عن ملاذ أكثر أمانًا، وهذا بدوره يؤدى إلى زيادة الطلب على العملة الصعبة مقابل الجنيه المصرى، ما يضيف بعدًا جديدًا من الضغوط على الاقتصاد.
فى الواقع، فإن مثل هذه السيناريوهات ليست جديدة، بل تكررت عبر سنوات طويلة. ويعود جزء من جذورها إلى فلسفة اقتصادية سادت فى فترات سابقة، خاصة خلال عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حين اتجه عدد كبير من رجال الأعمال إلى التوسع فى نظام التوكيلات التجارية باعتباره المسار الأسهل لتحقيق الأرباح، عبر استيراد السلع والمنتجات من الخارج، بدلاً من الاستثمار فى إنشاء مصانع قادرة على إنتاجها محليًا.
ومع مرور الوقت، أسهم هذا التوجه فى تعميق الاعتماد على الواردات واستنزاف مليارات الدولارات من العملة الصعبة، فى وقت كان من الممكن فيه توجيه تلك الموارد نحو بناء قاعدة صناعية قوية.
مع تزايد الضغوط العالمية وتقلبات الاقتصاد الدولى، بات من الضرورى إعادة توجيه البوصلة نحو الإنتاج والتصنيع، عبر تبنى سياسات واضحة لإحلال الواردات وتشجيع إنشاء المصانع وزيادة الطاقة الإنتاجية. فتعزيز الإنتاج المحلى لا يسهم فقط فى خفض فاتورة الاستيراد، بل يفتح أيضًا الباب أمام مضاعفة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادى.
< يا سادة.. لم يعد هناك متسع لمزيد من إهدار الوقت. فالمعادلة باتت واضحة: لا سبيل أمام الاقتصاد إلا الإسراع بخطوات جادة نحو إحلال الواردات، وبناء قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلى، ففاتورة الاستيراد الثقيلة لم تعد مجرد رقم، بل أصبحت عبئًا ضخمًا يضغط على الاقتصاد ويستنزف موارده من العملة الصعب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض