إطلالة
لماذا تراهن طهران على القاهرة لوقف نزيف التصعيد؟
فى توقيت بالغ الحساسية من عمر منطقة الشرق الأوسط، وفى ظل حرب إقليمية شاملة باتت تهدد الأخضر واليابس، برز التحرك الدبلوماسى الأخير للرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان تجاه القاهرة كإشارة واضحة على رغبة طهران فى البحث عن «مخرج آمن» للأزمة الراهنة. لم يكن الاتصال الهاتفى الذى تلقاه الرئيس عبدالفتاح السيسى من نظيره الإيرانى فى الثالث عشر من مارس الحالى مجرد إجراء بروتوكولى، بل كان بمثابة طلب صريح لتفعيل الدور المصرى كوسيط موثوق» قادر على لجم التصعيد العسكرى والعودة إلى طاولة المفاوضات. ويعكس طلب الرئيس بزشكيان تحولا استراتيجيا فى المقاربة الإيرانية للأزمات الإقليمية. فبعد جولات من التصعيد العسكرى الذى طال مرافق الطاقة وأثر بشكل مباشر على الملاحة الدولية فى مضيق هرمز، أدركت طهران أن استمرار المواجهة سيفرض ضريبة باهظة لا تستطيع القوى الإقليمية أو الاقتصاد العالمى تحملها.
الرسالة الإيرانية للقاهرة كانت واضحة فى مضامينها. وهى تقدير لجهود مصر المخلصة والأمينة، وإعلان الاستعداد للتحلى بالمرونة اللازمة للعودة إلى المسار التفاوضى. هذا التوجه يأتى فى ظل ضغوط اقتصادية وعسكرية متزايدة، وتنامى المخاوف من تحول الضربات المتبادلة إلى صراع مفتوح يخرج عن السيطرة، خاصة مع تغيير الإدارة فى واشنطن والنهج المتشدد الذى يتبناه البيت الأبيض فى تعامله مع الملف النووى والأنشطة الإقليمية لطهران. ولم يكن اختيار إيران لمصر عشوائياً؛ فالدولة المصرية تمتلك «مساحة من الثقة» لدى كافة الأطراف تجعلها مؤهلة لهذا الدور التاريخى.
وقد حافظت مصر على مسافة واحدة من كافة القوى المتصارعة، مع التأكيد الدائم على ثوابت الأمن القومى العربى ورفض التدخل فى الشؤون الداخلية للدول. وقد قامت
القاهرة فى إدارة حوارات معقدة تشمل واشنطن، طهران، والعواصم الخليجية، فضلاً عن دورها التاريخى فى ملفات غزة ولبنان. وتتبنى مصر خطاباً يرتكز على أن «الحلول الدبلوماسية هى الخيار الوحيد»، وهو ما يتقاطع مع رغبة الجناح الإصلاحى فى إيران فى تجنب الانهيار الشامل. وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن الطلب الإيرانى للوساطة المصرية لا يعمل فى فراغ، بل ينسجم مع تحرك ثلاثى يضم مصر وعمان وتركيا. الهدف من هذه الجهود هو «هندسة مسار داخلي» يعمل على خفض الصراع والتأثير على متخذى القرار فى واشنطن وتل أبيب لخفض صوت البنادق.
مصر من جانبها، لم تكتفِ باستقبال الطلب، بل وضعت شروطاً واضحة للنجاح، ترتكز على إعلاء مبدأ حسن الجوار، ووقف استهداف دول الخليج والأردن والعراق، واحترام سيادة الدول. وهو ما أكده الرئيس السيسى بوضوح خلال المباحثات، مشدداً على أن استقرار المنطقة يبدأ من التزام كافة الأطراف بالقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، ورغم التفاؤل الذى أحدثه طلب الوساطة، إلا أن الطريق لا يزال محفوفاً بالألغام. فالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية التى جرت فى جنيف خلال فبراير الماضى أظهرت فجوة واسعة فى المطالب؛ حيث تشترط واشنطن تفكيك مواقع نووية محددة وتسليم مخزون اليورانيوم، بينما تسعى طهران للحصول على ضمانات اقتصادية ورفع العقوبات.
علاوة على ذلك، يمثل «التصعيد الأفقي» الذى مارسته بعض الأطراف فى الإقليم عائقاً أمام بناء الثقة. وهنا يأتى الدور المصرى المحورى فى ممارسة ضغوط متوازنة، وإقناع طهران بضرورة كبح جماح وكلائها فى المنطقة كبادرة حسن نية، وفى المقابل، الضغط على القوى الدولية لإعطاء المسار السياسى فرصة حقيقية بعيداً عن منطق الاستسلام غير المشروط.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض