"بنوك تطرد الدولار" بحجة إدارة مخاطر الصرف
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة
في الوقت الذي تخوض فيه الدولة المصرية معركة شرسة لتعزيز مواردها من النقد الأجنبي، وتجتهد لدمج كافة الأصول المالية داخل القنوات الرسمية، تبرز على السطح ممارسات مصرفية مثيرة للتساؤل بل وربما الريبة. فبينما يُفترض بالقطاع المصرفي أن يكون "المغناطيس" الذي يجذب مدخرات العملة الصعبة الكامنة المكتنزة "تحت البلاطة"، يشكو بعض عملاء البنوك من عدم جاذبية العروض التي تقدمها فروع بعض البنوك لأصحاب الودائع الدولارية؛ ويخمن البعض أن تلك السياسة كانت تهدف إلى دفع الكثير من المواطنين للتنازل عما يحوزونه من عملة صعبة، وهو ما لم يحدث ولن يحدث، نتيجة الخوف الشديد من تراجعات حادة قد يشهدها الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية.
وقد لاحظت تكرار رفض من عدة بنوك (حكومية وخاصة وأجنبية) لطلب عملاء منحهم تمويلات بالعملة المحلية بضمان أوعيتهم الادخارية الدولارية، مع السداد بالجنيه المصري. هذا الرفض يتستر أحياناً خلف ذريعة "مخاطر تغير سعر العملة". وهنا يجب التأكيد على أن هذه الحجة واهية تماماً؛ فإدارة مخاطر الصرف هي صلب العمل الائتماني، وهي عقبة يمكن تجاوزها ببساطة بمعرفة المحترفين في مجال هندسة المنتجات المصرفية الذين يصممون ويخططون تلك المنتجات بحرفية، بما يمتلكونه من أدوات فنية لوضع آليات تحوط دقيقة، مثل تحديد نسب وشروط توازن بين مصالح البنك ومصالح العملاء، بدلاً من الهروب نحو الحل الأسهل وهو "رفض" التمويل أو الإقراض بضمان الأوعية الادخارية الدولارية؛ وهو تصرف غير مهني إن كان فردياً، وسياسة غير مهنية إن كانت بتعليمات مركزية داخل البنك خوفاً من المسؤولية والخسارة في حالة تغير سعر الصرف.
إن المنطق الاقتصادي السليم، (خاصة مع وصول سعر الدولار لمستويات الـ 53 جنيهاً خلال الأيام الماضية)، يفرض أن تكون الإغراءات والمزايا الممنوحة لأصحاب المدخرات الدولارية أكبر وأكثر جاذبية من تلك الممنوحة لأصحاب المدخرات بالعملة المحلية؛ للحاجة الشديدة للعملة الصعبة من جانب الدولة ومجتمع المال والأعمال، خاصة في ظل أزمة الديون وأعبائها. ونحن أمام ضرورة قصوى لجذب تلك "المدخرات الدولارية المكتنزة" التي يحوزها البعض بالملايين خارج النظام الرسمي، أو التي قد تجد طريقها للهروب خارج البلاد.
ويتطلب ذلك تحركاً في مسارين متوازيين؛ المسار الأول هو إعادة النظر في معدلات الفائدة على الودائع الدولارية لتصبح منافسة ومغرية إن كان ذلك جائزاً من وجهة نظر الخبراء، والمسار الثاني (وهو الأهم) هو التوسع في المزايا الممنوحة لأصحاب الودائع الدولارية بأنواعها، مثل التمويل بالعملة المصرية بضمان تلك الأوعية الدولارية (وكذلك المرابحات والتمويل العقاري وتمويل شراء السيارات وغيرها من الامتيازات)، بحيث تكون أكثر جاذبية من مثيلاتها الممنوحة لأصحاب المدخرات بالعملة المحلية. إن غياب هذه الرؤية يرسل رسائل سلبية تدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن إيداع أموالهم، وتركها لتدور في شرايين الاقتصاد الموازي غير الرسمي أو إيداعها في مصارف أجنبية خارج البلاد.
أمام هذا السلوك المصرفي الغريب، لابد من تدخل من البنك المركزي المصري لإلزام البنوك بتقديم حوافز وامتيازات حقيقية لأصحاب الأوعية الادخارية بالعملة الصعبة. إن هذا التحرك هو السبيل الوحيد للقضاء على السوق السوداء وتعظيم السيولة الدولارية داخل النظام المصرفي، خاصة في ظل العجز المتزايد في الميزان التجاري، وفاتورة الاستيراد المتضخمة، وأعباء القروض التي تلتزم الدولة بسدادها وفق جدول زمني ضاغط لا يحتمل الرفاهية أو التباطؤ البيروقراطي.
إن تذبذب سعر الصرف لا يجب أن يتحول إلى "شماعة" لتعطيل أدوات ائتمانية حيوية يمكنها زيادة اجتذاب العملة الصعبة للبنوك. وهذا المشهد يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام "فوبيا المسؤولية" التي تصيب بعض الموظفين والمسؤولين عموماً، وفي البنوك خصوصاً، وذلك خوفاً من تقلبات سعر الجنيه؟ أم أن هناك من يحارب توجهات الدولة في الخفاء عبر خفض المزايا الجاذبة مما يؤدي إلى "تطفيش" المدخرات الدولارية إلى مسارات أخرى خارج القطاع المصرفي، بل وربما خارج البلاد تماماً؟ وهو ما يناقض أهداف الدولة وسياسة البنك المركزي، ويصب في صالح من يحارب الاقتصاد المصري بوسائل متعددة، وما ينتج عنه من تداعيات أكبر.
إن الاستقرار الحقيقي لسعر الصرف يبدأ ببناء جسور الثقة. إننا بحاجة إلى وقفة تصحيحية لضمان ألا تتحول البنوك إلى "عامل طرد" للعملة الصعبة. يجب أن تتحول الوديعة الدولارية من "رقم جامد" في الخزائن المنزلية إلى "محرك للتنمية" عبر الائتمان والمزايا التفضيلية، لضمان بقائها داخل شرايين الاقتصاد الوطني بدلاً من تسربها للخارج أو للأسواق غير الرسمية.