رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

القصيدة عند شاعرنا فاروق جويدة، الذي نحتفل في 10 فبراير ببلوغه ثمانين عامًا، أشبه بحلم لا يخضع لوعاء فكري ثابت أو أيديولوجيا معينة، فهي تطير كفراشة متنقلة من زهرة لأخرى، حاملة معاني تتدفق وتتعانق في حركة متسارعة، تعبر تارة عن وجدانه، وأخرى عن أحلامه، مجسدة صدامًا بين الحلم والواقع.
تاريخيًا ينتمي جويدة إلى جيل شعراء السبعينات، ذلك الجيل الذي أثار جدلًا بتباين مشاعره ونتاجه، الذي اختلط فيه الخوف والقلق بمرارة الإحباط والحلم المجنح، جيل وجد نفسه أزاء مدرستين شعريتين: الأولى رومانسية إحيائية ممثلة في محمود حسن إسماعيل ومحمد التهامي وإبراهيم عيسى، وأخرى مجددة يمثلها صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل، وإلى جوار هؤلاء وأولئك اتخذت مجموعة ثالثة من الحداثة الغربية مرجعية له، وأغرقت شعرها في الرموز والغموض، حتى لقد بات شعر بعضها أشبه بكلمات متقاطعة، تحتاج إلى جهبذ لفهمها، ولا تعبر إلى قلب القارئ، فالشعر الحقيقي هو ما يهز وجدان قارئه ويتغلغل فيه، لا ما يتحول إلى طلاسم تنفر القارئ منه.
وسط هذا البحر المضطرب المتباين الوجوه، ظهر فاروق جويدة متخذًا موقفًا وسطًا بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، فقبل الأول - على حد قول أحد النقاد - لكنه لم يقدسه، ورحب بالثاني لكن دون الغرق في الرموز والطلاسم، رافضًا اتباع حداثة وافدة تخرب اللغة والشعر، عن فهم صحيح لوعاء الإبداع وهي اللغة العربية، وكونها لغة سماعية بألفاظها المموسقة، ولغة مفكرة لما تحويه دلالاتها من معان ألفاظ، يندر أن يوجد مثلها في لغة أخرى، وغاص في بحور هذه اللغة مستنطقًا الكلمات، فعشقه للغة العربية وحسن فهمه لطبيعتها، جعل الكلمات تتداعى له في لغة سلسة مرنة، لغة تستوعب التراث ولا تغفل المعاصرة، توظف العناصر الدرامية للتعبير عنها، ولا تجعلها غاية الشاعر، وهو متأثر في ذلك بالشاعر السوري الكبير الراحل نزار قباني، الذي أوجد لغة ثالثة، معها لم يعد الشعر للنخبة فقط، لكنه نزل به للشارع ليصافح أسماع العامة وألسنتهم. 
وفي شعر جويدة الغزلي سلاسة كلمات نزار ورقة عاطفة إبراهيم ناجي وصوفية ابن الفارض وصلاح عبد الصبور، وهو ينظر للمرأة كمخلوق راقي، يجردها من كيانها الحسي، ليحيلها إلى كائن مثالي يحتمي به، لكنه لا يفني ذاته في المحبوبة مثلما فعل ناجي، لأنه يرى الحب علاقة تعادلية، فهو لا يقترب من المرأة إلا بمقدار، مفضلًا الحرية على القيد:
أنا نورس لا يحب الرحيل .. وحين انتشى ذاب شوقا وطار
ويصير في حبه كالطفل ، يخاف الليل ويبحث عن المرفأ الآمن:
في ليلة حزن وحشية 
أبحث عن صدر يحميني
ويعيد دماء شراييني
فأنا مرتعد كالأطفال
طيور النوم تجافيني
والنشأة الدينية لشاعرنا ربطت معجمه الشعري بالتاريخ والتراث الديني وفي مقدمته القرآن الكريم:
القدس ترسم وجه "طه"
والملائكة حوله
والكون يتلو سورة "الرحمن"
القدس في الأفق البعيد
تطل أحيانًا وفي احشائها
طيف المسيح وحوله الرهبان
وإذا كانت الأنا الفردية قوية في شعره الغزلي، فهي في شعره السياسي على العكس تختفي تمامًا، وتذوب في الأنا الجماعية:
القدس تسأل :
كيف صار الابن سمسارًا وباع الأم
في سوق الهوان بأرخص الأثمان
صوت المآذن .. والكنائس لم يزل 
في القدس يرفع راية العصيان
والصورة الشعرية عنده ناطقة نابضة بالحياة، فهو يضفي على الجماد صفات الأحياء، نراه يستنهض الهمم العربية ويستنطقها لتطالب بحقها في الحياة:
انطق كي أنطق
ويلي من صمتي من صمتك
سأحطم رأسك كي تنطق
سأهشم صمتك كي أنطق
رجل البوليس يقيدني
والناس تصيح
هذا المجنون
حطم تمثال أبي الهول!
وفي أعمال جويدة الشعرية ارتباط واضح بالتاريخ والتراث، يدل على عمق إحساسه بالقيمة الجمالية والخلقية للأدب، وفي الوقت نفسه يتيح التراث له عمل اسقاطات على الحاضر، دون أن يخشى مقص الرقيب، وتجلى ذلك في مسرحياته الشعرية الأربعة: الوزير العشق، دماء على أستار الكعبة، الخديوي، وهولاكو، ونجاح هذه المسرحيات يدل على مدى تمكن الشاعر من فنه، فالمسرحية الشعرية من أصعب فنون الشعر، ولهذا لا يكتبها إلا الشعراء الكبار المتمرسين، ويلحظ أن الشاعر في مسرحياته الأربعة أدخل المرأة في السياق لتكون العنصر الموازي لأحداثها الدرامية ذات الطابع السياسي والتاريخي، فباستثناء الوزير العشق التي كانت المرأة محورًا أساسيًا لها كما يتضح من عنوانها، أوجد جويدة مكانًا للمرأة في مسرحياته التاريخية الأخرى، ولم ينس في خضم ذلك الاهتمام بالمحتوى وكيفية تقديمه، فليست مزية الشاعر – كما يقول عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد – أن يقول لنا عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ماهو، ويكشف لقارئه عن لبابه وصلة الحياة به، فهل نجح شاعرنا في تأكيد صواب ما ذهب إليه العقاد، إن الإجابة لدي القاريء، الذي يقبل على دواوين الشاعر، ويعطيه صك الاعتراف به أو يمنعه عنه.