رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

تؤكد الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة أن العلاقات المصرية–التركية تدخل مرحلة جديدة تقودها المصالح الاقتصادية، في ظل توجه مشترك لتحويل التقارب السياسي إلى شراكة إنتاجية واستثمارية قابلة للقياس، ترتكز على التجارة، والتصنيع المشترك، وتوسيع الاستثمارات المباشرة.
ويُعد حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا، الذي يقترب من 9 مليارات دولار سنويًا، أحد أبرز مؤشرات متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، إذ حافظت حركة التجارة على وتيرتها حتى في فترات التوتر السياسي. وخلال الزيارة، اتفق الجانبان على العمل لرفع حجم التجارة البينية إلى نحو 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، من خلال توسيع قاعدة السلع المتبادلة وزيادة المكوّن الصناعي في التجارة.
ويمثل هيكل التجارة الحالي نقطة انطلاق مهمة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية على أسس أكثر توازنًا. فالواردات المصرية من تركيا تتركز في السلع الوسيطة والآلات والمعدات والمنتجات الهندسية، بينما تعتمد الصادرات المصرية إلى السوق التركية بدرجة أكبر على المواد الخام والمنتجات الأولية وبعض السلع نصف المصنعة. ويعكس هذا الوضع فجوة واضحة في القيمة المضافة، وهو ما تسعى المرحلة الجديدة من التعاون إلى معالجته عبر تشجيع التصنيع المشترك داخل السوق المصرية.
وتكتسب الاستثمارات التركية في مصر أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها أداة رئيسية لنقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية. وتنتشر الشركات التركية في قطاعات الملابس الجاهزة والغزل والنسيج والصناعات الهندسية ومواد البناء، مستفيدة من توافر العمالة وتكلفة الإنتاج التنافسية، إلى جانب الموقع الجغرافي لمصر الذي يتيح الوصول السريع إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.
ويراهن الجانبان خلال المرحلة المقبلة على جذب استثمارات تركية جديدة في مجالات ذات قيمة مضافة أعلى، من بينها الصناعات المغذية للسيارات، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، ومكونات مشروعات الطاقة المتجددة، بما يتوافق مع استراتيجية الدولة المصرية لتعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات الصناعية.
كما تمثل المناطق الاقتصادية والمناطق الصناعية الجديدة، وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، محورًا رئيسيًا في خطط التعاون المقبلة، في ظل ما توفره من بنية تحتية لوجستية متطورة وموانئ حديثة تسمح بإنشاء مراكز إنتاج وإعادة تصدير مشتركة تخدم أسواق إفريقيا وآسيا وشرق المتوسط.
ومن الزوايا الاقتصادية المهمة في التقارب المصري–التركي ملف النقل والخدمات اللوجستية، خاصة في ظل امتلاك البلدين موانئ محورية على البحرين الأحمر والمتوسط. ويتيح ذلك فرصًا لتطوير خطوط شحن مباشرة وتقليل زمن وكلفة نقل البضائع، بما ينعكس بصورة مباشرة على تنافسية التجارة البينية وكفاءة سلاسل الإمداد.
ورغم الفرص الكبيرة، تواجه الشراكة الاقتصادية عددًا من التحديات الهيكلية، في مقدمتها استمرار العجز التجاري لصالح تركيا، وارتفاع تكاليف الإنتاج المحلية في بعض القطاعات، إضافة إلى الحاجة لتطوير منظومة المواصفات والجودة والاعتماد بما يسهم في تسهيل نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق التركية والأسواق التي تعيد تركيا التصدير إليها.
كما أن تحقيق هدف رفع التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار يتطلب الانتقال من منطق زيادة الكميات إلى منطق بناء سلاسل إنتاج مشتركة، بحيث تتحول مصر من سوق رئيسية للمنتجات التركية إلى قاعدة صناعية إقليمية تشارك فيها الشركات التركية بالإنتاج والتصدير.
وفي المحصلة، تكشف زيارة أردوغان إلى القاهرة عن تحوّل واضح في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين مصر وتركيا، من علاقات تجارية تقليدية إلى شراكة قائمة على الاستثمار والتصنيع والتكامل في سلاسل القيمة. وإذا نجحت الحكومتان في ترجمة هذا التوجه إلى مشروعات محددة وجداول تنفيذ واضحة، فإن الشراكة الجديدة مرشحة لأن تمثل أحد محركات النمو الصناعي والتجاري في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة.