رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

هندسة السلطة بالسلاح.. أسرار لم تكشف في جريمة اغتيال سيف الإسلام القذافي

بوابة الوفد الإلكترونية

لم يسمع دوي الرصاص، ولم تعلن ساعة الصفر، لكن ليبيا استيقظت على فراغٍ ثقيل لا يخطئه الإحساس. سيف الإسلام معمر القذافي خرج من المشهد إلى الأبد، في لحظة كان فيها حضوره السياسي يربك الحسابات ويحيي الأمل في نفوس الليبيين المؤمنين بمشروعه الوحداوي.

الغموض الذي صاحب جريمة الاغتيال مثل صدمة لا يمكن تجاوزها مع شخصية بهذا الوزن، حيث لا بيان رسمي ولا رواية مكتملة ولا تحقيق شفاف. فقط جريمة صامتة وصدمة شعبية وضجيج تأويل يملأ الفراغ الذي تركه الصمت.

اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يأتِ في زمن استقرار، بل تزامن مع أخطر موجة إعادة تشكيل أمني تشهدها طرابلس منذ وصول الدبيبة إلى السلطة. حملة وصفت رسميًا بـ"تفكيك المليشيات"، لكنها عمليًا أعادت رسم موازين القوة بالقوة، وأطاحت بأسماء ثقيلة داخل المشهد المسلح، في توقيت بدا فيه أن الملفات السياسية الشائكة تغلق واحدًا تلو الآخر، بعيدًا عن المسار الديمقراطي المتعارف عليه والمتمثل في صندوق الاقتراع.

خصم مؤجل خرج من الحسابات

منذ الإفراج عنه عام 2017 بموجب قانون العفو العام الصادر عن مجلس النواب، عاش سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان 170 كيلومتر متر غرب العاصمة طرابلس تحت حماية معقدة، تداخلت فيها الحسابات المحلية بالرمزية الوطنية. التزم الصمت سنوات طويلة، لكنه ظل حاضرًا كـ"مشروع سياسي محتمل"، وكمفتاح لأي مصالحة حقيقية تُنهي مرحلة ما بعد 17 فبراير.

بلغ هذا الحضور ذروته مع ترشحه للانتخابات الرئاسية أواخر 2021، في خطوة أربكت المشهد وأعادت الانقسام حول الماضي، لا حول المستقبل فقط. وبرغم تعثر الاستحقاق الانتخابي، لم يختفِ الرجل من المعادلة، بل تحوّل إلى تهديد صامت: لا يملك ميليشيا، لكنه يملك ذاكرة شعبية، ولا يرفع السلاح، لكنه يربك شرعية القائمين على السلطة.

شرخ الزنتان وسقوط الغطاء

الشرخ الحقيقي بدأ مطلع 2026، خلال مراسم "الميثاق الوطني للمصالحة" برعاية المجلس الرئاسي. حادثة بروتوكولية — رفض رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام الشيخ علي أبوسبيحة الوقوف للنشيد الوطني — تحولت سريعًا إلى مواجهة سياسية حادة، جرى تحميلها دلالات تتعلق بشرعية 17 فبراير.

لم تمضِ أيام حتى صدر بيان من "مخاتير الزنتان" يطالب النائب العام باتخاذ إجراءات قانونية ضد سيف الإسلام، ومنع ممثليه من دخول المدينة وتفعيل مذكرة الجنايات الدولية. وللمرة الأولى منذ سنوات، اهتزّ الغطاء المحلي الذي ظل يحميه، وانقسمت الزنتان بين من يرى فيه ورقة توازن وطني، ومن يعتبره عبئًا سياسيًا يجب التخلص منه.

التحول في موقف مخاتير الزنتان تزامن مع حملة غير مسبوقة من التحريض الإعلامي ضد سيف الإسلام على منابر محسوبة على عبدالحميد الدبيبة وشخصيات إخوانية موالية لسلطة الغرب ومناوءة للسلطة في شرق البلاد.

طرابلس.. مسرح التصفية وإعادة الهندسة

لم يكن هذا التحول معزولًا عن السياق العام في غرب ليبيا، حيث دخلت طرابلس مرحلة غير مسبوقة من إعادة ترتيب المشهد الأمني تحت سلطة عبد الحميد الدبيبة، الذي أحكم قبضته على طوق المليشيات، مستخدمًا المال تارة، والمناصب تارة أخرى، حيث شكل اغتيال عبد الغني الككلي "غنيوة"، قائد جهاز دعم الاستقرار، نقطة التحول الأبرز. اغتيال لم تُخفِ الحكومة ارتياحها له، بل جرى توصيفه رسميًا كـ"إنجاز".

بعده مباشرة، انطلقت خطة تفكيك التشكيلات المسلحة، بدءًا من جهاز دعم الاستقرار، وصولًا إلى محاولات تطويق "قوة الردع الخاصة"، أخطر وأكبر قوة أمنية خارج السيطرة المباشرة للحكومة. الرسالة كانت واضحة، لا مكان لأي قوة موازية، ولا لأي نفوذ خارج معادلة الولاء الكامل.

نمط متكرر.. لا حوادث منفصلة

في هذا السياق، يصعب التعامل مع اغتيال سيف الإسلام كحادثة منفصلة. صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قضائية معلنة تربط حكومة الدبيبة بالجريمة، لكن تتابع الوقائع يفرض نفسه بقوة. قبل ذلك، شهد الغرب الليبي سلسلة اغتيالات غامضة طالت شخصيات مؤثرة ومثيرة للجدل، من عبد الرحمن ميلاد "البيدجا"، إلى رئيس الأركان العامة الفريق محمد الحداد، مرورًا بتصفية قادة ميدانيين ووجوه أمنية بطرق متشابهة، دون نتائج تحقيق معلنة، ودون محاسبة واضحة، حتى في الملف السياسي، برز نمط الإزاحة الصامتة، كما حدث مع وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، التي جرى التخلص منها سياسيًا لإطفاء أزمة التطبيع مع الكيان الصهيوني، دون كشف الحقيقة كاملة، أو تحمل مسؤولية سياسية واضحة وقبل ذلك تسليم المواطن أبوعجيلة مسعود المريمي من قبل الدبيبة إلى أمريكا في قضية لوكربي التي أغلقت قانونيا منذ زمن.

سياسة بلا انتخابات

هنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح، هل تُدار ليبيا اليوم بمنطق الدولة، أم بمنطق تصفية الملفات الثقيلة؟. سيف الإسلام كان يمثل خصمًا سياسيًا لا يمكن احتواؤه، بالمصالحة الحقيقية والتي تعني بالضرورة انتخابات، أي نهاية مرحلة الدبيبة. وفي المقابل، كانت السلطة في طرابلس تمضي بخطى ثابتة نحو إعادة تشكيل المشهد دون صندوق اقتراع، عبر تفكيك الخصوم أمنيًا، وإغلاق الملفات سياسيًا، وتأجيل الاستحقاق الوطني إلى أجل غير مسمى.

الصمت الرسمي تجاه اغتيال شخصية بهذا الثقل، وغياب أي إعلان عن تحقيق مستقل، عززا الشكوك، حتى دون اتهام مباشر. فالمشهد، بكل تفاصيله، يوحي بأن ليبيا دخلت فصلًا جديدًا من هندسة السلطة، فصل تُحسم فيه السياسة قبل أن تبدأ، وتُدار فيه الدولة بمنطق القوة، لا بمنطق التوافق.

رحل سيف الإسلام، لكن السؤال الأخطر ما زال معلقًا،
من التالي في قائمة الملفات التي تُغلق بالرصاص، بدلًا من صناديق الاقتراع؟