لعل وعسى
في عالم تعادل الريادة التكنولوجية فيه القوتين الاقتصادية والجيوسياسية،
يثير الذكاء الاصطناعي الفائق قضايا حتى قبل ظهوره، فالبعض يعتقد أنه قادر على تغيير العالم،والبعض الآخر يثير مخاوف من إحتمال فقدان السيطرة عليه، وتشكيله تهديدات وجودية للبشر أنفسهم. لذا يمثل فهم تطور الذكاء الاصطناعي زمنياً أمرا مهماً لتوقع آثاره في المجتمعات وعلى الاقتصاد،مع تقدير أبعاده الجيوسياسية.فعملية تطور الذكاء الاصطناعي مرت بمراحل أولها ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الضيق (Artificial Narrow Intelligence)، الذي يدرب لأداء مهمة واحدة أو محددة، لكن استخداماته رافقها ظهور معضلات أخلاقية وأبعاد سلبية، مثل التحيز، وحملات المعلومات المضللة، والتزييف العميق، وانتهاكات الخصوصية، لذا تم التوجه نحو النوع الثاني وهو الذكاء الاصطناعي القوي أو الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence) والذى يهدف إلى أداء المهمات الفكرية، مثل التخطيط والتحليل المنطقي، بطرق شبيهة للقدرات البشرية، لكن فى المقابل احتمالات إساءة استخدام هذا النوع من الذكاء في النزاعات يكون مصدر قلق حتى قبل ظهوره، إضافة إلى أنه قد يتسبب بإحداث خلل كبير في أسواق العمل،والهياكل المجتمعية مع تزايد إحلاله لوظائف البشر، ما قد يفضي إلى توسع هوة عدم المساواة، والتى حدثت بالفعل بوصول رائد التكنولوجيا الحديثة ايلون ماسك إلى ثروة تقترب من التريليون دولار ، وزيادة ثروات الأثرياء خلال عام 2025 بنحو 20% ، لتصل إلى نحو 18,5 تريليون دولار ، والأخطر أنها زادت حوالى 85% منذ عام 2020 ، هذه الزيادة المضطردة سببها التطور التكنولوجي الهائل، ولكن قابلها ظهور تحديات مجتمعية كبيرة ممثلة في الاضطرابات وارتفاع مستويات البطالة، والفقر والجوع. لذا ظهر النوع الثالث وهو الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Super Intelligence) ويصل إلى مرحلة ما يسمى "التفرد" (Singularity) والتفوق على ذكاء البشر،وتشمل قدراته امتلاك مهارات الإبداع والوعي الذاتي والتفكير المجرد والفهم العاطفي، إلى جانب امتلاك احتياجات ومعتقدات خاصة به. ونرى أن حدوث ذلك سيكون بحلول عام 2050. استناداً إلى دراسة كورتيزول، التى تؤكد بأن إن الانسان يفكر خطيا Linear ، بينما تتقدم التكنولوجيا بطريقة أُسية Exponential
وبالطبع فإن هذه الفوارق ستحول جذرياً وعي الإنسان للوقت والزمن؟ وأنه في عام 2045، سيصل تسارع الذكاء الاصطناعي إلى نقطة التفرد Singularity ، أي النقطة التى
يتجاوز فيها ذكاء الآلة الذكاء البشري. وبالتالى فإننا يجب أن نقلق ونختار الآن عما ينتظرنا في المستقبل. هذا المستقبل يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية والتى تسعى للوصول إلى الذكاءالخارق، لأنها تملك وتنتج أسرع وأهم رقاقات Chips في العالم،مع العلم أن القطاع الخاص في امريكا يملك هذه القدرات التي تعد استثمارا من المال الخاص ومن الطبيعي السعى إلى الاحتكار لتحقيق الأرباح ،ونظراً إلى أهمية الذكاء الاصطناعي بصفته محركا للاقتصاد والأعمال،لكن يشكل الذكاء الاصطناعي أيضا تهديداً للأمن القومي الأمريكى ، وهذا ما طرحته مؤسسة راند، في دراسة تهدف إلى بناء الأسس الفكرية لأمريكا والتى حددتها فى خمس مشاكل صعبةيفرضها ظهور الذكاء الاصطناعي العام على الأمن القومي،وهى تمكين ميزة كبيرة للتحرك الأول من خلال الظهور المفاجئ لأسلحة العجائب الحاسمة.ايضاً التسبب في تحول منهجي يغير توازن القوى العالمية.كذلك تمكين غير الخبراء من تطوير أسلحة الدمار الشامل.مع التسبب في ظهور كيانات اصطناعية تتمتع بوكالاتها الخاصة لتهديد الأمن العالمي. اخيرا زيادة عدم الاستقرار.وبالتالى فإن تناول هذه المشاكل أمر فى غاية الأهمية لصالح الأمن القومي المصري أيضا.أولاً، قد يمكن الذكاء الاصطناعي العام من تحقيق ميزة كبيرة في التحرك الأول من خلال الظهور المفاجئ لسلاح عجيب حاسم. على سبيل المثال،تحديد نقاط الضعف في الدفاعات السيبرانية للعدو واستغلالها وخلق ما قد يسميه البعض ضربة سيبرانية أولى تعطل ضربة سيبرانية انتقامية. وبالتالى فإننا نرى أن الذكاء الاصطناعي العام قد يعمل على تآكل الميزة العسكرية،من خلال خلق نوع من آلة ضباب الحرب التي تجعل المعلومات عن ساحة المعركة غير جديرة بالثقة.ومن الممكن أن تؤدي مثل هذه الميزة الرائدة إلى تعطيل التوازن العسكري للقوى في المسارح الرئيسية، وخلق مجموعة من مخاطر الانتشار، وتسريع ديناميكيات السباق التكنولوجي.ثانياً، قد يتسبب الذكاء الاصطناعي العام في تحول منهجي في أدوات القوة الوطنية، وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الإستراتيجي للتنمية والسلام