رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

مليون و400 ألف عضة سنويًا: الشوارع فى «قبضة» الكلاب الضالة

بوابة الوفد الإلكترونية
GTMInit(); function GTMInit() { (function (w, d, s, l, i) { w[l] = w[l] || []; w[l].push({ 'gtm.start': new Date().getTime(), event: 'gtm.js' }); var f = d.getElementsByTagName(s)[0], j = d.createElement(s), dl = l != 'dataLayer' ? '&l=' + l : ''; j.async = true; j.src = 'https://www.googletagmanager.com/gtm.js?id=' + i + dl; f.parentNode.insertBefore(j, f); })(window, document, 'script', 'dataLayer', 'GTM-P43XQ2XC'); var s, r = false; s = document.createElement('noscript'); s.innerHTML = ''; document.getElementsByTagName('body')[0].appendChild(s); }

والدة مصاب: «لم أعد أترك طفلى ينزل الشارع».. وفرد أمن: الكلاب فرضت سيطرتها على قطعة أرض فضاء

30 مليون كلب ترهب المارة فى شوارع مصر

النسبة الآمنة 6 إلى 10%.. والواقع أضعاف.. ومليارا جنيه تكلفة العلاج 

 

فى شوارع يفترض أنها آمنة، صار صوت الكلاب أعلى من صفارات الإسعاف، وأسرع من تدخل الدولة.. عقرٌ هنا، مطاردة هناك، ودماء تُغسل من على الأسفلت قبل أن تدخل أى سجل رسمى، فى شوارع المحروسة، لم تعد الكلاب الضالة مجرد ظاهرة بيئية، بل تحولت إلى أزمة عامة مكتملة الأركان، تفرض سطوتها على الفضاء العام فى غياب سياسة واضحة أو مساءلة حقيقية.
هذا التحقيق يكشف كيف تحولت الشوارع إلى مناطق نفوذ للكلاب الضالة، وكيف أصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية لملايين المواطنين، بينما تُدار الأزمة بمنطق رد الفعل، وتُترك الجذور دون مواجهة.
ففى السادسة صباحًا، كانت «منى» تُمسك بيد طفلها فى طريق المدرسة بمنطقة الهرم بالجيزة، الشارع شبه خالٍ، القمامة مكدسة عند ناصية الطريق، وصوت نباح متقطع يخرج من خلف سور أرض فضاء.. لم ترَ الكلب، لكنه رآها، وفى ثوانٍ، تحولت اللحظة اليومية العادية إلى صراخ، دماء، وذعر.
هذه ليست قصة استثنائية، بل نقطة تقاطع يومية بين الإنسان والمدينة والحيوان، هنا لا يمكن اختزال الأزمة فى «كلب ضال»، لأن العقر هو النتيجة النهائية لمسار طويل من الاختلالات.
عند مدخل مستشفى حكومى بذات المنطقة، تجلس سيدة خمسينية على الرصيف، تضم ذراعها الملفوف بشاش سميك، بينما ينزلق الدم من أسفل الرباط الطبى إلى الأرض.. لا تصرخ، لا تبكى، فقط تردد جملة واحدة: «أنا كنت رايحة أشترى عيش».. العقر لم يُسجل بعد فى أى بيان، لم يدخل دفتر الشرطة، ولم يُضف إلى جداول وزارة الصحة. بعد ساعات، ستغادر السيدة، ويبقى الكلب فى الشارع ذاته.. هكذا تبدأ القصة فى أغلب الأحيان: حادث فردى، صمت جماعى، ومدينة تكمل يومها وكأن شيئًا لم يحدث.
فى حى حديث الإنشاء بالقاهرة الجديدة، يروى «محمود»، موظف بإحدى شركات الأمن الخاصة، ما جرى فجر أحد الأيام: «الساعة كانت خمسة الصبح، فجأة لقيت حوالى 12 كلب خارجين من أرض فضاء، اتحركوا مع بعض، زى وحدة واحدة، وأنا واقف مش فاهم أعمل إيه.. واحد منهم عضنى فى رجلى من ورا، والباقى كان بيقرب».
محمود لم يكن يجرى، لم يستفزهم، لم يحمل طعامًا.. الشارع ده فيه زبالة متراكمة من شهور، والناس بترمى أكل، الكلاب دى بقت صاحبة المكان».. هذه ليست رواية ذعر، بل وصف لسلوك قطيعى منظم، لم يعد استثناءً فى أطراف المدن الجديدة.
التحقيق فى عشرات الشهادات غير الرسمية، التى لا تظهر فى سجلات الدولة، يكشف عن أن العقر لم يعد مرتبطًا بالجوع أو الدفاع عن النفس فقط، بل بات مرتبطًا بالسيطرة المكانية.. الكلب فى المدن المصرية لم يعد «عابر سبيل»، بل مالكًا لمساحات مهملة.. الأراضى الفضاء، محيط المدارس، مواقف الميكروباص، خلف الأسواق، كلها تحولت إلى مناطق نفوذ غير مكتوبة، من يدخلها دون «إذن» قد يدفع الثمن.
هذه الظاهرة ليست مقصورة على المدن فقط، ففى قرية على أطراف جنوب الصعيد، تحكى أم لطفل فى التاسعة كيف تغيّر ابنها بعد العقر: «العضة كانت فى كتفه، بس الأثر الحقيقى فى دماغه. بقى يخاف ينزل الشارع، أى نباح يخليه يستخبى»، الطفل تلقى المصل، شُفى جسديًا، لكن لا أحد سأله عن الأثر النفسى، لا توجد برامج دعم، ولا حتى اعتراف بأن العقر ليس إصابة جسدية فقط، بل صدمة طويلة الأمد.

القمامة.. المتهم الأول
أكوام القمامة المنتشرة فى الشوارع ليست خلفية للمشهد، بل محركه الرئيسى، وفى مناطق تتكدس فيها المخلفات لأيام، تتحول إلى مصدر غذاء مستمر، نقطة تجمع، مركز تكاثر.. فالكلاب لا تبحث، الطعام يأتيها.. ومع وفرة الغذاء، يرتفع عدد المواليد، وتزداد الجرأة، ويتغير السلوك من دفاعى إلى هجومى.. وبالتالى فالمدينة تطعم بيد، ثم تحاول القمع بالأخرى.

تحذير
ولهذا حذّر النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، من تفاقم ظاهرة انتشار الكلاب الضالة فى الشارع المصرى، مؤكدًا أنها باتت تمثل خطرًا مباشرًا على المواطنين، فى ظل غياب إحصاءات رسمية أو تقديرات دقيقة لأعدادها، وهو ما يعرقل أى حلول علمية أو تنفيذية فعالة للتعامل مع الأزمة.
وقال منصور، فى حديثه لـ«الوفد»، إن التقديرات المتداولة حول أعداد الكلاب الضالة فى مصر متباينة بشكل لافت، حيث تشير بعض الإحصاءات غير الرسمية إلى أن عددها يتراوح بين 30 و40 مليون كلب، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن العدد يتراوح بين 12 و14 مليونا، مشددًا على أن «النسبة البيئية الآمنة» لا تتجاوز 6 إلى 7% من عدد السكان، بما يحقق التوازن البيئى دون الإضرار بالأمن المجتمعى.
وأضاف وكيل لجنة القوى العاملة أن الأرقام المرتبطة بحالات العقر تكشف حجم الخطر، موضحًا أن عدد حالات العقر خلال السنوات العشر الأخيرة بلغ نحو مليون و400 ألف حالة سنويًا، بعد أن كانت لا تتجاوز 300 ألف حالة فى سنوات سابقة، وهو ما يعكس تصاعدًا خطيرًا فى وتيرة الظاهرة.
وأشار منصور إلى أن الدولة تتحمل أعباء مالية ضخمة نتيجة هذه الأزمة، إذ تتكبد ما يقرب من مليارى جنيه سنويًا لعلاج حالات العقر فقط، فى وقت تعانى فيه المنظومة البيطرية والطبية من نقص واضح فى الكوادر، لافتًا إلى أن وزارة الزراعة تسعى حاليًا لتعيين نحو 5 آلاف طبيب بيطرى لسد هذا العجز.
وتساءل النائب البرلماني: «هل عدد الكلاب الموجود حاليًا داخل الحدود الآمنة؟ وهل ما نشهده يحقق توازنًا بيئيًا أم يمثل خللًا واضحًا يهدد الصحة العامة؟»، مؤكدًا أن الإجابة لا يمكن الوصول إليها دون أرقام دقيقة وتقديرات علمية موثوقة.
وأكد منصور ضرورة وجود تنسيق كامل بين الجهات الحكومية المعنية، والهيئات البيطرية، وجمعيات الرفق بالحيوان، لوضع قاعدة بيانات دقيقة لأعداد الكلاب الضالة، بما يسمح بوضع سياسات واقعية للتعامل مع الظاهرة بعيدًا عن الحلول العشوائية أو المؤقتة.

أكثر عدوانية
وانتقد منصور سلوكيات بعض المواطنين، مشيرًا إلى أن قيام البعض بإطعام الكلاب فى الشوارع لحومًا ودواجن بدمائها يسهم بشكل مباشر فى زيادة شراستها، موضحًا أن الكلاب أصبحت أكثر عدوانية، وتهاجم القطط والحيوانات الأخرى لتتغذى عليها، وهو ما يشكل تهديدًا مضاعفًا للأطفال والمارة.
واقترح وكيل لجنة القوى العاملة الاعتماد على التعقيم كحل أساسى ومستدام، مشيرًا إلى أن تكلفة تعقيم الكلب الواحد تقدر بنحو ألف جنيه، لافتًا إلى وجود 45 سيارة متنقلة مخصصة للتعامل مع الكلاب الضالة على مستوى الجمهورية ضمن جهود الحكومة لمواجهة الأزمة.
كما طالب بضرورة إنشاء مناطق إيواء خارج الكتل السكنية والمجتمعات العمرانية، يتم فيها تجميع الكلاب الضالة والتعامل معها بشكل علمى وإنسانى، بما يقلل الاحتكاك المباشر مع المواطنين داخل المدن.
وأوضح منصور أنه من المعارضين لفكرة تصدير الكلاب بشكل مطلق، مؤكدًا أن التصدير لا يجب أن يتم إلا إلى الدول التى تعانى عجزًا بيئيًا حقيقيًا وتحتاج الكلاب لتحقيق التوازن البيئى، وليس إلى الدول التى تستخدمها لأغراض استهلاكية أو غير إنسانية.
وشدد على أن الدور الطبيعى للكلاب يتمثل فى تحقيق التوازن البيئى من خلال القضاء على الثعابين والحشرات الضارة، مشيرًا إلى أن العدد المطلوب لتحقيق هذا التوازن- وفقًا لتقديرات متخصصين بيطريين- لا يتجاوز 6 ملايين كلب على مستوى الجمهورية.
ودعا النائب إيهاب منصور إلى إطلاق حملات توعية موسعة تستهدف المطاعم والأهالى، لمنع إلقاء مخلفات اللحوم والطيور الملوثة بالدماء فى الشوارع، لما لذلك من دور مباشر فى جذب تجمعات الكلاب وتوحشها، مؤكدًا أن مواجهة الظاهرة تبدأ بالوعى، ولا تنتهى إلا بسياسات علمية مستدامة.

مشكلة مزمنة
«أزمة الكلاب الضالة فى مصر تُعد «مشكلة مزمنة» تراكمت على مدار سنوات» هكذا بدأ الدكتور السيد عوض، مدير مديرية الطب البيطرى بالقليوبية سابقًا حديثه معنا مشيرًا إلى أن غياب منظومة منتظمة وآمنة للتخلص من القمامة يمثل أحد المحركات الرئيسية لتفاقم الظاهرة، إذ تتحول أكوام المخلفات إلى نقاط جذب دائمة للكلاب بحثًا عن الغذاء.
وأوضح عوض أن الدولة كانت تلجأ فى فترات سابقة إلى التخلص من الكلاب الضالة باستخدام مادة سامة تُعرف باسم «الاستركنين»، قبل أن تثار حالة جدل واسعة بشأن حرمانية قتل الكلاب، ما ترتب عليه وقف استيراد المادة نهائيًا، دون توفير بدائل عملية ومستدامة.
وأضاف أن خيار التعقيم يُطرح كحل إنسانى، لكنه يظل مكلفًا ومعقدًا فى التنفيذ، ويتطلب تعاونًا وثيقًا مع الجمعيات الأهلية، فضلًا عن مجهود ميدانى كبير، خاصة أن التعامل مع الكلاب الضالة ينطوى على مخاطر حقيقية، قد تصل إلى تعرض القائمين على الحملة للعقر.
وأكد أن نسبة لا تتجاوز 10% من إجمالى أعداد الكلاب كافية لتحقيق التوازن البيئى، مشددًا على أن للمحليات دورًا محوريًا فى إدارة الملف، سواء عبر التعقيم أو الإعدام المنظم أو حتى التصدير وفق ضوابط واضحة. واختتم بالإشارة إلى أنه فى حال التخلص المنتظم من نحو 5% من أعداد الكلاب سنويًا، يمكن القضاء على الظاهرة تدريجيًا خلال سنوات قليلة.
توازن بيئي
من ناحية أخرى أشار حسين أبو صدام أن الكلاب الضالة تلعب دورًا مهمًا فى تحقيق التوازن البيئى، من خلال إبعاد الزواحف والثعابين عن المناطق العمرانية، مشيرًا إلى أن سلوك الكلب يرتبط بشكل مباشر بنوعية الغذاء المتاح له وكميته، حيث يؤدى نقص الطعام أو رداءة جودته إلى زيادة العدوانية.
وقال أبوصدام، فى حديثه لـ«الوفد»، إن التكاثر العشوائى للكلاب الضالة يمثل جوهر الأزمة الحالية، موضحًا أن متوسط عمر الكلب قد يصل إلى 18 عامًا، فيما يمكن للأنثى أن تُنجب ما يصل إلى 15 جروًا سنويًا، وهو ما يضاعف الأعداد بشكل سريع ويفاقم خطورة الظاهرة إذا لم تتم إدارتها علميًا. وشدد على أن وجود الكلاب فى حد ذاته ليس المشكلة، بل يكمن الخطر فى تجاوزها للأعداد اللازمة لتحقيق التوازن البيئى.
وأشار إلى أن للكلاب استخدامات اقتصادية متعددة، على رأسها الحراسة، لافتًا إلى أن مصر تستورد أعدادًا كبيرة من كلاب الحراسة سنويًا بتكلفة تصل إلى ملايين الجنيهات. وأضاف أن الاستثمار فى تأهيل الجراء الضالة وتدريبها وتعديل سلوكها يمكن أن يقلل من الاستيراد، ويوفر كلابًا آمنة ومدرّبة محليًا.
وأوضح أبوصدام أن تصدير الكلاب إلى الدول التى تعانى نقصًا بيئيًا قد يمثل حلًا عمليًا، فى إطار تبادل منفعة يشمل استيراد الأعلاف أو مستلزمات غذاء الحيوانات الأليفة، بما يحول الأزمة من عبء إلى فرصة اقتصادية مدروسة.
وفيما يتعلق بالرأى الدينى حول تصدير الكلاب الضالة أو إعدامها، خاصة فى ظل وجود دول تُعد من مستهلكى لحوم الكلاب، أكد الدكتور يحيى المنسى، أحد علماء وزارة الأوقاف، أن التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة يجب أن يقوم على التوازن، والأخذ بأوسط الحلول الممكنة، ما بين التعقيم، أو الإيواء، أو الإعدام فى الحالات الخطرة فقط، مشددًا على حرمة تصدير الكلاب إلى الدول التى تستهلك لحومها، لما فى ذلك من امتهان للحيوان ومخالفة لمقاصد الشريعة فى الرفق به.
وأشار إلى أن إعدام الكلاب الضالة أمر غير جائز شرعًا، إلا إذا تحولت إلى خطر حقيقى يهدد حياة الإنسان، كحالات السعار أو العقر المتكرر، موضحًا أن الشريعة أجازت قتل «الكلب العقور» لما يمثله من أذى محقق.
واستشهد المنسى بالحديث النبوى الشريف الذى أجاز قتل خمس من الدواب فى الحل والحرم: «الفأرة، والحدأة، والعقرب، والثعبان، والكلب العقور»، مؤكدًا أن الكلاب الضالة التى تُلحق ضررًا مباشرًا بالبشر تأخذ حكم الكلب العقور، ويجوز التخلص منها حمايةً للأرواح.
ردًا على تصاعد الأزمة، بدأت الحكومة فى تنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة للتعامل مع الكلاب الضالة باستخدام أحدث الطرق العلمية والإنسانية، مستندة إلى نموذج القبض والتعقيم والتطعيم ثم الإطلاق.
ضمن هذه المبادرات، أعلنت محافظة القاهرة عن تخصيص مساحة حوالى 9500 متر مربع فى حى التبين لإنشاء مأوى متكامل للكلاب الضالة يشمل التعقيم والتطعيم والعلاج والخدمات البيطرية، بالتنسيق مع مديرية الطب البيطرى، ما يعكس توجهًا نحو حلول أكثر تنظيمًا.
وفى خطى مماثلة، طرح جهاز الخدمات البيطرية برنامجًا يهدف إلى تطعيم أكثر من 121 ألف كلب وضبط أكثر من 8 آلاف خلال 2025. كما أمر رئيس الوزراء بتوسيع إنشاء شلترات فى محافظات مختلفة، الأمر الذى يشمل توفير الأراضى وبناء مرافق صحية وتجهيز فرق للتعقيم والتطعيم، وتسعى الحكومة لإقامة 12 مأوى فى محافظات متعددة، وإشراك حوالى 2500 طبيب بيطرى فى جهود التطعيم والتعقيم، فى محاولة لإحداث تأثير طويل الأمد بدلًا من الحلول العشوائية.