الترجمة تكسر حاجز الزمن.. إعادة إحياء التاريخ والفلسفة اليونانية بمعرض الكتاب
احتضنت القاعة الدولية بـ«بلازا 2»، ضمن محور «تجارب ثقافية – الترجمة العربية للكتاب» في فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته السابعة والخمسين، ندوة فكرية ناقشت كتاب «التاريخ والفلسفة اليونانية القديمة عبر العصور»، بحضور مترجم العمل الدكتور محمد عبدالعزيز، عضو هيئة التدريس بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر والمتخصص في الترجمة والأدب المقارن، وبمشاركة الباحث في تاريخ اليونان القديم الدكتور محمد رمضان العرجة، وأدار اللقاء الكاتب والناقد محمد مندور.

في مستهل الندوة، شدد الدكتور محمد عبدالعزيز على أن الكتاب يتجاوز كونه ترجمة معرفية إلى كونه فعلًا ثقافيًا يرسّخ مفهوم الترجمة بوصفها حوارًا إنسانيًا ممتدًا عبر الزمن، وأوضح أن الترجمة ليست نقلًا حرفيًا للكلمات، بل انتقالًا لرؤى وتجارب وطرائق تفكير، بما يجعلها جسرًا حيًا بين الحضارات.
وأشار عبدالعزيز إلى أن تاريخ الترجمة العربية ارتبط دومًا بلحظات النهوض والانفتاح، من «بيت الحكمة» في بغداد إلى الأندلس، معتبرًا أن تقديم هذا الكتاب للقارئ العربي يواصل هذا التقليد العريق، ويؤسس لحوار واعٍ مع الماضي دون تقديس أو تبسيط مُخلّ.
ولفت إلى أن الكتاب يعيد تقديم التاريخ اليوناني باعتباره حكاية إنسانية نابضة بالحياة، لا مادة جامدة، موضحًا أن مؤلفه، عالم الآثار اليوناني ثيودوروس باباكوستاس، تعمّد إخراج المعرفة من الإطار الأكاديمي المغلق إلى فضاء القارئ العام، مع الحفاظ على العمق العلمي والدقة البحثية.
وتوقف عبدالعزيز عند الأسلوب السردي غير التقليدي، القائم على أسئلة لافتة مثل: «كيف كان يقضي موظف ميسيني وقت فراغه؟» و«كيف قادت المصادفة إلى نشوء الديمقراطية؟»، مؤكدًا أن هذه الأسئلة تعمل كمفاتيح تشويق تفتح أبواب التاريخ دون رهبة.
كما أشار إلى البناء التخييلي للكتاب، الذي يقوم على حوار داخل مصعد متوقف بين الطوابق، بين عالم آثار وإنسان عادي، في رمز دال على ضيق الوقت المعاصر، والحاجة إلى معرفة مكثفة وصادقة تأخذ القارئ في رحلة تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى أفول العالم القديم.
من جانبه، أكد الدكتور محمد رمضان العرجة أن الكتاب نجح في «أنسنة» التاريخ اليوناني، بالخروج به من سرد البطولات والمعارك إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العادي.
وأوضح أن الشخصيات التاريخية قُدّمت بواقعيتها وتناقضاتها، بعيدًا عن النماذج المثالية.
وضرب مثالًا بتناول شخصية الإسكندر الأكبر، التي جاءت قراءة متوازنة لإنجازاتها وأخطائها، بما يعكس فهمًا لطبيعة عصرها دون إسقاط معايير الحاضر على الماضي.
وأضاف أن الكتاب يقدم قراءة ذكية لمراحل التاريخ اليوناني، من الحضارتين المينوية والميسينية، مرورًا بالحروب الفارسية وحروب البيلوبونيز، وصولًا إلى العصر الهلينستي.
واختتم العرجة بالإشارة إلى إبراز الكتاب للتلاقي الحضاري بين اليونان وشرق المتوسط، وعلى رأسه مصر القديمة، مؤكدًا عمق هذه العلاقة تاريخيًا، واستنادها إلى شواهد أثرية ونصوص قديمة، ومشيرًا إلى نظرة اليونانيين لمصر بوصفها مهدًا أول للمعرفة والحضارة.
