«كيفك إنت»..رحلة في عالم الرحباني بين التمرد والإبداع تُطرح في معرض الكتاب
استضافت قاعة "كاتب وكتاب" ضمن فعاليات الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة لمناقشة كتاب «كيفك إنت.. عن زياد الرحباني» للكاتب إبراهيم عبد الفتاح، بحضور مجموعة من النقاد والمهتمين بالموسيقى والفن.
وأكد الناقد الموسيقي الدكتور أشرف عبد الرحمن أن الكتاب يقدم قراءة مختلفة لتجربة زياد الرحباني، تتجاوز السرد التقليدي لتاريخ حياته ومسيرته الفنية، لتغوص في عالمه الداخلي، وتفكك تأثيراته الفكرية والوجدانية، سواء في علاقته بالإرث الرحباني أو في تمرده الواعي عليه، وصياغته لغة فنية خاصة به.

وأوضح عبد الرحمن أن الكتاب لا ينظر إلى زياد الرحباني كمادة تاريخية جامدة، بل يقرأه من خلال نصوصه الفنية في الشعر والمسرح، والمواقف الإنسانية التي عكست روح مرحلة كاملة.
وأشار إلى أن هذا المنهج يبرز الفارق بين المؤرخ التقليدي والفنان المؤرخ: الأول يوثق الوقائع ويحلل السياقات الاجتماعية والسياسية، بينما يؤرخ الفنان للمشاعر والأسئلة الداخلية والتحولات الوجدانية المصاحبة للحظة التاريخية.
وأضاف أن الأغنية أو المسرحية أو القصيدة تتحول في هذا السياق إلى وثيقة وجدانية تعبّر عن إحساس العصر، لا مجرد أحداثه، حيث يسجل الفنان كيف شعر الناس، وكيف تشكل الغضب أو السخرية أو التمرد، وكيف انكسرت الأحلام أو أعيد تعريفها، كما أشار إلى أن الكتاب يأتي في صيغة مسرحية شعرية، تقدم تجربة زياد الرحباني كحالة فنية وإنسانية، لا كسيرة ذاتية تقليدية، إذ توثق الإحساس قبل الحدث، والصوت الداخلي قبل العناوين الكبرى، ما يتيح قراءة مختلفة لتجربة أحد أكثر الفنانين العرب تعقيدًا وتأثيرًا.
من جانبه أشار الدكتور شريف صالح، الناقد والأكاديمي، إلى أن زياد الرحباني يمثل نموذجًا للـ«تمرد الواعي»، فهو ابن فيروز وعائلة الرحابنة، لكنه لم يكتفِ بكونه امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث، بل أعاد تقديم فيروز من خلال صوته ورؤيته الخاصة، وأضاف أن تمرده لم يكن قطيعة مع الجذور، بل انطلق من وعي عميق بها، وسعى لإعادة صياغة العلاقة مع التراث بدلًا من تكراره.
وأشار صالح إلى أن كتاب إبراهيم عبد الفتاح يقدم تجربة قراءة مختلفة وممتعة، إذ يتحرر من التقسيم الأكاديمي الصارم؛ فلا فصول مرقمة، ولا تسلسل زمني تقليدي يبدأ بالميلاد أو ينتهي بمحطة بعينها، بل يُدخل القارئ منذ الصفحة الأولى مباشرة إلى عالم زياد الرحباني، دون مقدمات ثقيلة أو تصنيفات جاهزة، ووصف الكتاب بأنه أشبه بـ«جلسة ودية»، كأن الكاتب يدعو القارئ للجلوس معه على مقهى للحديث عن زياد بعفوية وصدق، بعيدًا عن التنظير الجاف، مع الحفاظ على عمق النص وملمسه الإنساني الذي يتقاطع مع شخصية زياد نفسه، الشخصية المتمردة والمستقلة ذات الصوت الخاص.
وأكد صالح أن من أبرز مظاهر هذا التمرد أن زياد، رغم كونه ابن عصر الرحابنة وفيروز، اختار استعادة أشكال موسيقية وفكرية سابقة، مخالفة للتوقعات، ليصنع مساره الفني الخاص، مؤكدًا أن التمرد الحقيقي لا يعني الهدم، بل إعادة الاختيار.
أُثيرت خلال الندوة إشكالية العلاقة بين مدرسة الرحابنة والفن المصري، وأكد المتحدثون أن قراءة التجربة الرحبانية موسيقيًا وثقافيًا لا تكتمل دون العودة إلى محمد عبد الوهاب بوصفه مرجعًا تأسيسيًا في تطور الموسيقى العربية الحديثة.
وأوضحوا أن الرحابنة استكملوا جزءًا مما بدأه عبد الوهاب، سواء على مستوى البناء الموسيقي أو علاقتهم بالحداثة والتجديد، رغم اختلاف السياقات والأساليب، وتجلّى ذلك في تجربة فيروز مع الموسيقى المصرية، حيث اقتصر تعاونها المكتمل والموثق على عبد الوهاب، إلى جانب تحيتها الشهيرة لسيد درويش، بينما لم تُطرح تسجيلات محتملة مع رياض السنباطي على العلن.
