رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. وليد البلتاجي السيد يكتب: الغش الدراسي وأثره في بناء الشخصية

د. وليد البلتاجي
د. وليد البلتاجي السيد

مما لا مراء فيه أن الإسلام اهتم بالعلم اهتماما بالغا؛ لما له من عظيم الأثر في تقدم الأمم ونهوضها، فأمة بلا علم لا خير فيها، ولا أمل يرتجى من ورائها؛ ولذا جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تبين فضل العلم، وتظهر أثره في بناء المجتمع، فقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾ [المجادلة: 11]، وقال عز وجل: ﴿وقل رب زدني علما﴾ [طه: 114]، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [سنن أبي داود، حديث رقم (3641)، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم].

 
وإذا كان هذا هو مقام العلم في ميزان الإسلام، فإن ظاهرة الغش في الامتحانات تعد من أخطر الظواهر السلبية التي تناقض هذا المقصد الشريف، وقد حرمتها الشريعة الإسلامية؛ لما يترتب عليها من آثار سلبية تمس الفرد والمجتمع على السواء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «… ومن غشنا فليس منا» [صحيح مسلم، حديث رقم (164)، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»]. وتدخل هذه الظاهرة كذلك ضمن خيانة الأمانة؛ فمن اتصف بها فقد خان الله ورسوله، وعده النبي صلى الله عليه وسلم في زمرة المنافقين، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» [صحيح البخاري، حديث رقم (34)، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق].

وعلى هذا الأساس، فإن الغش الدراسي لا يقف أثره عند حد المخالفة السلوكية أو التنظيمية، بل يمتد ليؤثر بعمق في بناء شخصية الإنسان؛ إذ إن الفرد حين يمارس الغش يتحول هذا الفعل لديه إلى سلوك معتاد، فيألف التحايل، ويبرر الخطأ، ويتخذ من الكذب والخداع وسيلة لتحقيق أهدافه، فتضعف صلته بالاستقامة، ويبتعد عن الصدق في أقواله وأفعاله، ويقع في الكذب والفجور. 

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التحلي بالصدق، والتحذير من الكذب وتوابعه، فعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» [صحيح البخاري، حديث رقم (6094)، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: 119]، وما ينهى عن الكذب].

ومن ثم، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق طريق الصلاح والاستقامة، في حين أن الكذب والغش والخداع طريق الفجور والانحراف.

ويضاف إلى ذلك أن اعتماد الإنسان على الغش يؤدي إلى انعدام روح الاجتهاد والمثابرة، ويعوده على التواكل والتكاسل في مختلف شؤونه، حتى يغدو هذا السلوك عادة راسخة في شخصيته.

ولا يقف ضرر الغش عند حدود الفرد، بل يتعداه إلى المجتمع بأسره؛ إذ يسهم في تخريج أفراد غير مؤهلين في مجالات متعددة، فيتقلدون مناصب لا يستحقونها، مما يفضي إلى إلحاق ضرر بالغ بالمجتمع. فكيف يمكن الوثوق بطبيب بنيت مسيرته الدراسية على الغش، وهو عاجز عن تشخيص الأمراض ووصف العلاج المناسب؟ وكيف يؤتمن مهندس اجتاز مراحل تعليمه بالغش على تشييد مبان آمنة، سليمة من العيوب من الناحية العلمية؟

ولذلك، فإن مكافحة ظاهرة الغش، والحد من انتشارها، وغرس القيم والفضائل في نفوس النشء، تعد مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والقائمين على العملية التعليمية، والعلماء والدعاة؛ نظرا لخطورتها البالغة. فلا ينبغي أن ينظر إلى الغش على أنه مجرد إجراء تنظيمي أو عقابي فحسب، بل لا بد من إدراك أنه مسألة تتعلق بمسؤولية أخلاقية وتربوية في المقام الأول؛ إذ إن إعداد نشء يدرك قيمة العلم، ويعي خطورة الغش على الفرد والمجتمع، له أثر إيجابي بالغ في نهوض الأمة وتقدمها.