نشأت الصحافة المصرية لتقود شعلة التنوير الوطنية وصناعة الوعي، وحملت أفكار رواد الفكر المصري منذ القرن التاسع عشر أمثال العلامة الشيخ محمد عبده ورفاعة باشا الطهطاوي الذين وضعوا بصمات واضحة في جريدتي " الوقائع المصرية " و "روضة المدراس" بجانب لمسات سليم النقاش في صحيفة" العصر الجديد " ، واديب إسحاق في صحيفتي " مصر " و" التجارة " ، وعبد الله النديم في صحيفتي " التنكيت والتبكيت " ، و"الطائف " ، وكتابات جمال الدين الأفغاني في جريدتي "مرأة الشرق " و " مصر " ، وأثرت مشاعل النور التي أسقطها هؤلاء المفكرين العظماء وغيرهم في كتابتهم في صناعة وعي وطني نظيف ووعي اجتماعي إصلاحي وكانوا مرجعية فكرية للعديد من الزعماء عبر التاريخ ، واثرت بعض كتاباتهم في أفكار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وثقافة الرئيس الشهيد محمد أنور السادات .
وفي عصر الثورة الرقمية، تشهد العديد من الصحف الورقية تراجعاً واندثاراً كبيراً في معدل النشر والتوزيع بل والمصداقية لدى القارئ بجانب سقطات الصحف الالكترونية الغير مألوفة مهنياً وقد لمست بعض السلوكيات التي تهدد مهنة الصحافة وهي كالتالي:
سطوة المال على المهنة
أسوأ ما يكون في إدارة المؤسسات الصحفية أن يتحكم رأس المال بشكل مبالغ فيه في توجيه الرأي المهني، ومن ثم صياغة سياسة تحريرية مفرغة من الفكر والمنهج والأسلوب والتنوع الأيدلوجي ، فهذه النوعية من الصحف لا تهتم بالتنوير ولكنها أنشأت فقط لتكون سلاح إعلامي لمالكها وتعمل وفقاً لتوجيهات عقل واحد ، لتفرغ من المضمون والمبدأ والمحتوى .
"هوس الترند "على حساب المجتمع والمهنة
في ظل افتقاد بعض الصحف لمباديء المعايير المهنية والسعي الدؤوب نحو السبق الصحفي وهذا امر مشروع، يقوم بعض باصطياد اللقطات الخاصة للمشاهير ونشر الفضائح وتداول بعض الاخبار غير الموثوق فيها لتكسب المشاهدات وصعود الترند وهذا أمر غير، لعل هؤلاء النوعية من المحررين لم يدركون أن الصحافة مهنة البحث عن الحقائق ونشرها لتغذية وعي الجماهير، بجانب تنوير الفكر ، وليست مهنة الفضائح للصعود الترند!.
صحافة الدليفري
بعض " المتصحفين " يعتقدون أن الصحافة ما هي الا صورة تلتقط مع مسؤول وتنشر على وسائل التواصل وتكتب الكلمة الشهيرة: " شخصية محترمة جدا " ، وربما تكون هذه اول مرة يلتقي فيها الصحفي بالشخصية العامة التي وصفها في بوست الإطراء، وبعضهم يعتقد ان الصحافة مجرد أن تجلس في إحدى الندوات او المؤتمرات وتأخد البيان الإعلامي الجاهز وتسلمه لمسؤول الديسك الذي ينقحه مهنيا وينشر باسم المحرر الذي لم يكتب فيه الا أسمه ، فهل هذا يتفق مع المهنية؟!.
صحافة الكوبي بيست
في ظل تزايد انتشار الصحف الرقمية وعجز بعض الصحف على دفع رواتب المحررين او توجهها نحو توفير النفقات، والوساطة التي تحجب فرصة ممارسة المهنة بموضوعية عن أصحاب القلم والفكر، هبط على مهنة الصحافة بعض الهواه محترفي صحافة الكوبي بيست الذين ينقلون الاخبار من المصادر الإخبارية، وبعض الصحف وينشرونهم كوبي بيست دون مراجعة او صياغة خاصة تعكس روح الصحفي ومنهيته مما أفقد الصحافة بريقها وافقد المادة الصحفية جودتها وتراجعت قوة تأثير "السلطة الرابعة " .
إعلام الغاية وإعلان الوسيلة
من البديهي أن الإعلام غاية لصياغة راي عام نظيف من النشوء الى الارتقاء، ولكن حينما يتحول بعض وسائل الاعلام وسيلة لتشويش على الراي العام، او اختلاق الاشاعات او الترويج لشركات عقارية على سبيل المثال تمتص جيوب المواطنين وترفع الأسعار بشكل جنوني، يصبح الاعلام وسيلة والغاية هي الإعلان، ولا أنكر ان الإعلان مهم جدا لدعم استمرار الصحف ووسائل الاعلام، ولكن الأعراف المهنية تتناقض مع أي توجه لسيطرة الإعلان على المحتوى الإعلامي حتى لا تسقط مبادئ المهنة تحت انياب اعلام الغاية.
ثمرات الفكر
الصحافة ضمير قبل أن تكون رؤى وأسلوب قبل أن تكون كلمة، وعقل قبل أن تكون فكرة.
وللحديث بقية ..
وللأفكار ثمرات مادام في العقل كلمات وفي القلب نبضات.. مادام في العمر لحظات.
[email protected]
مستشار إعلامي وباحث ومحاضر أكاديمي