فجأة اندلعت الاحتجاجات الشعبية داخل إيران بسبب تدنى مستوى العملة أمام الدولار الأمريكى وارتفاع الأسعار، وكان فكر الشعب الإيرانى أن الحكومة تقدم الدعم للأذرع الإيرانية خارج إيران، وهم حزب الله فى لبنان، والحوثيون فى اليمن، والحشد فى العراق، وحماس فى غزة. وبالطبع كانت المعارضة الإيرانية تشعل فتيل هذا الصراع فى هذا الموضوع، حيث تذكر أن راتب الجندى فى الجيش اللبنانى نفس راتب الجندى فى حزب الله، لأن عناصر حزب الله يرفضون تقاضى رواتبهم من إيران.
وعقب اندلاع مظاهرات الشعب، تدخلت الحكومة لفض هذه الاحتجاجات، حيث قامت باعتقال حوالى 3000 شخص، كما هددت بتنفيذ حكم الإعدام على المتظاهرين. وفجأة ظهر الرئيس الأمريكى بإنذار وتهديد إيران بالتدخل العسكرى لمنع أعمال القمع الدامى للاحتجاجات فى إيران ومنع تنفيذ أحكام الإعدام، وبدأت الأمور تأخذ منحنى حادًا حول احتمالات التدخل العسكرى الأمريكى ضد إيران.
وأعتقد أنه فى اليوم الأول كان تحليلى واضحًا أن أمريكا لن تنفذ أى ضربة عسكرية ضد إيران فى الفترة القادمة، وهذا موجود على صفحتى وخلال مداخلاتى على القنوات العديدة. وللأسف تصاعدت التحليلات من العديد من الإعلاميين والسياسيين فى كافة المنصات الإعلامية العربية، حيث بدأ الجميع يحلل ويقدم أفكارًا عن أسلوب تنفيذ هذه الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران، حتى جاءت المفاجأة بإعلان الرئيس ترامب يوم الجمعة الماضى أنه قرر إلغاء الضربة العسكرية التى كان مخططًا لها ضد إيران، وأكد أن القرار جاء بمبادرة شخصية منه وليس نتيجة ضغوط أى أطراف أخرى، رغم أن إسرائيل تقول إنها قدمت النصح لأمريكا بعدم تنفيذ هذه الضربة العسكرية ضد إيران.
وهنا نبدأ التحليل: لماذا كان تحليلى منذ البداية أن أمريكا لن تقوم بتنفيذ هذه الضربة العسكرية؟ السبب أن أى عملية عسكرية يكون لها هدف واضح ومحدد. فعلى سبيل المثال، عندما تمت العملية العسكرية الأولى من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتى سميت حرب الـ 12 يومًا، كان هدف هذه العملية العسكرية هو تدمير القوة النووية الإيرانية ومنعها من امتلاك سلاح نووى، وكان الهدف واضحًا، واستمرت الحرب 12 يومًا، وبعدها أعلن الرئيس ترامب إيقاف القتال بعد أن أكد أنه تم تنفيذ الهدف من العملية وتدمير المفاعلات النووية الإيرانية، وأصبحت إيران غير قادرة على إنتاج سلاح نووى.
أما هذه المرة، فكان الهدف من العملية العسكرية كما أعلنها الرئيس الأمريكى هو دعم انتفاضة الشعب الإيرانى، وبالتالى إسقاط النظام. وهنا نقول إن الرئيس الأمريكى عندما فكر فى تدخل عسكرى، أعتقد أن كانت هناك آراء معارضة لهذا الفكر داخل الإدارة الامريكية حيث كان رأى وزارة الدفاع (البنتاجون) ووكالة المخابرات الأمريكية (CIA) أن التدخل العسكرى قد يدفع الشعب الإيرانى للتوحد ضد التدخل الأمريكى، وبالتالى انتفاء الغرض الذى قامت من أجله الضربة، حيث إن سمة هذا الشعب التوحد ضد أى عمل عسكرى خارجى ضد الدولة. كما أن نائب الرئيس الأمريكى كان أيضًا غير موافق على هذه الضربة الأمريكية لإيران.
أما النقطة الثالثة، أنه خلال تلك الفترة لم تكن هناك أى حاملة طائرات أمريكية فى المنطقة سوى واحدة بدأت فى الاقتراب من منطقة البحر الأحمر، عكس الحرب الأولى (حرب الـ 12 يومًا) حيث كان هناك ثلاث حاملات طائرات فى المنطقة، وهذا يؤكد أنه لم تكن هناك نية حقيقية لتنفيذ ضربة عسكرية.
أما النقطة الرابعة، فإن إسرائيل لأول مرة لم تكن راغبة فى تنفيذ هذه الضربة، لأن الضربة الأولى أثبتت عدم قدرة وسائل الدفاع الجوى الإسرائيلى على التصدى للطائرات الإيرانية المسيرة والصواريخ الباليستية والفرط صوتية الإيرانية، والتى وصلت إلى تل أبيب وأجبرت نتنياهو على الدخول إلى المخابئ. لذلك، بعد هذه الحرب، بدأت إسرائيل فى تطوير وسائل الدفاع الجوى وخاصة القبة الحديدية ومنظومة السهم (آرو)، والاستفادة من الأخطاء التى حدثت فى الحرب السابقة. وطبقًا للتقديرات، فإن التطوير والتعديلات فى القبة الحديدية للتصدى للصواريخ الإيرانية لم تنتهِ بعد، ولذلك كان رأى إسرائيل أنه لو هاجمت أمريكا إيران فسيكون الرد هو ضرب إسرائيل مرة أخرى، ويصبح نتنياهو أمام شعبه غير قادر على التصدى للصواريخ الإيرانية ويدخل المخابئ مرة أخرى، خاصة وهو على أعتاب انتخابات قادمة، وكان المفترض أن يقدم نفسه للشعب الإسرائيلى على أنه قادر على حماية إسرائيل، ولذلك لم ترحب إسرائيل بهذه الضربة الأمريكية ضد إيران فى هذا التوقيت.
أما النقطة الخامسة التى أثيرت خلال مناقشات اتخاذ القرار بالعمل العسكرى، فهى قصة اليوم التالى، حين قررت أمريكا وحلف الناتو التخلص من القذافى، وبالفعل نجحوا فى التخلص منه، لكنهم فشلوا فى تحديد من سيقود ليبيا بعد رحيل القذافى، وكانت تلك أكبر غلطة عندما تم إسقاط القذافى دون وجود بديل واضح ودخلت ليبيا فى حالة عدم استقرار وهنا كان التساؤل: إذا تم إسقاط النظام الحالى فى إيران (نظام الملالي)، فمن الذى سيقود إيران؟ فالمعارضة الإيرانية ضعيفة للغاية وليس لها وجود حقيقى فى الشارع الإيرانى، وكذلك عندما قدم ابن شاه إيران السابق نفسه لأمريكا كبديل، ثبت للجميع أنه ليس له أى أرضية شعبية.
وكان الرأى أن هذه الضربة العسكرية، فى حال إسقاط النظام الإيرانى، ممكن ان تؤدى إلى انهيار الدولة الإيرانية، وهو أمر غير مطلوب فى الظروف الحالية فى الشرق الأوسط. كما كان رأى البنتاجون أن إيران قد تستهدف إسرائيل، ثم القواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج العربى، وربما منصات النفط فى الخليج، لإرباك سوق النفط العالمى، وهو ما سيؤدى إلى إرباك الاقتصاد العالمى، وسيتم إلقاء اللوم على أمريكا باعتبارها السبب فى هذا الاضطراب الاقتصادى.
ومن وجهة نظرى الشخصية، فإن إيران تمثل قوة يجب أن تبقى فى المنطقة، حتى لو كنا غير راضين عن امتلاكها سلاحًا نوويًا، لكن خروج إيران من المشهد سيجعل إسرائيل القوة الوحيدة فى المنطقة فى مواجهة مصر.
إذا فى النهاية يجئ السؤال لماذا كان ترامب يلوح بالضربة؟ وهنا يجب أن نجيب إن التهديد كان هدفه الأساسى إجبار إيران على الدخول فى مفاوضات عبر سلطنة عمان، وهذه المفاوضات هذه المرة لا تقتصر فقط على منع إيران من امتلاك سلاح نووى، بل تشمل عنصرين إضافيين، هما السيطرة على أنظمة الصواريخ الباليستية الإيرانية التى وصل مداها حاليا إلى أوروبا، ومنع إيران من دعم الأذرع العسكرية فى لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن.
وهذا، فى اعتقادى، كان هو الهدف الحقيقى من التهديد الأمريكى بالتدخل العسكرى، لدفع إيران فى النهاية إلى القبول بالدخول فى المفاوضات بدلًا من التعرض لعملية عسكرية كانت إيران ستخسر فيها الكثير. وكان ذلك هو تحليلى لأسباب عدم تنفيذ أمريكا عملياتها العسكرية ضد إيران منذ بداية هذا الموضوع.
Email: [email protected]