قضية ورأي
أمس الإثنين انطلقت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى دورته السادسة والثلاثين، تحت عنوان «المهن فى الإسلام».
وأقوى ما لفت نظرى، هى كلمة قاضى قضاة فلسطين، التى شكر فيها مصر قيادة وشعبًا لإحباطها مخطط التهجير.
نعم أحبطت مصر مخطط تهجير الشعب الفلسطينى، وواجهت إرادة ترامب التى يفرضها الآن على أوروبا كلها.
رفضت مصر، «سيف ترامب وذهبه»، ووقفت وحدها تواجه ما لم تواجهه أوروبا.
فماذا تواجه أوروبا حاليا؟
مع حلول فبراير المقبل، تبدأ الولايات المتحدة تطبيق رسوم جمركية جديدة على كافة البضائع الواردة من الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، والمملكة المتحدة.
10 % قد تكون كافية لإخضاع الدول الأوروبية الثمانى، لإرادة «ترامب» وتسليمه جزيرة جرينلاند.
وإذا رفضت الدول الأوروبية، فإن الـ 10 % ستصبح 25 %، مع ما يصاحبها من هزات فى أسواق السيارات والذهب والعملات الأوروبية خصوصا اليورو والمارك والجنيه الاسترلينى.
يهدد «ترامب» بعزل شمال وغرب أوروبا اقتصاديًا ما لم يتم التوصل إلى «صفقة كاملة» لاستحواذ الولايات المتحدة على الجزيرة التابعة للتاج الدنماركى.. وربما يتحول التهديد إلى مواجهة عسكرية.
وتعتبر «جرينلاند» واحدة من أكبر المستودعات غير المستغلة عالميًا لـ 17 عنصرًا معدنيًا نادرًا، تمثل العمود الفقرى لصناعات تكنولوجية منها صناعة الرقائق الإلكترونية للطائرات المقاتلة (مثل F-35)، وأنظمة الليزر، وأجهزة الرادار المتطورة.
كما تعتبر حيوية لإنتاج المغناطيسات القوية المستخدمة فى محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، وأيضا عمالقة وادى السيليكون ومنهم بيل جيتس وجيف بيزوس الذين استثمروا فى التنقيب عن هذه المعادن لتطوير بنية تحتية أكثر كفاءة لمراكز البيانات العملاقة.
يستهدف «ترامب» قطع الطريق أمام الطموحات الروسية والصينية المتزايدة فى منطقة القطب الشمالى، والاستيلاء على الجزيرة الغنية بالمعادن النادرة والنفط والغاز، وهى موارد حيوية للصناعات التكنولوجية المستقبلية.
كما أن موقعها الاستراتيجى يعتبر حجر زاوية فى نظام «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخى الذى يسعى ترامب لتطويره.
ربما تصبح أزمة «جرينلاند»، ثقبا أسود يلتهم حلف النيتو الذى تسيد العالم عسكريا بعد سقوط حلف وارسو، فى واحدة من أكثر لحظات التحول جذرية منذ نهاية الحرب العالمية فى 1945.
فالعقاب الذى يمارسه «ترامب» على أوروبا، يمثل تحولًا جذريًا فى استخدام التجارة كأداة للضغط السياسى المباشر لتغيير الحدود الجغرافية. وبينما يصر ترامب على أنها «صفقة القرن» الضرورية لحماية أمريكا، يرى العالم فيها اختبارًا عسيرًا لصلابة النظام الدولى والقوانين التى تحكم سيادة الدول.
قديما اجتمعت كلمة روزفلت وخليفته ترومان، مع تشرشل، وديجول، لتأسيس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على «المبادئ والقواعد المشتركة»، بينما بعد 80 عاما أصبح النظام العالمى يقوده «منطق القوة» والصفقات المباشرة.
بعد الحرب تأسس النظام الدولى (عبر الأمم المتحدة والناتو) على فكرة حماية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة الدول، ومنع الاستحواذ على الأراضى بالقوة.
الآن نشهد تحولًا نحو ما يسميه الغرب «دبلوماسية المعاملات».
أزمة جرينلاند الحالية هى المثال الأبرز؛ إذ لا تتردد واشنطن فى استخدام الرسوم الجمركية والضغط العسكرى على حليف (الدنمارك) للحصول على أراضٍ وموارد، مما يعنى أن المصالح القومية المادية باتت تتقدم على تحالف القيم.
.. الآن، ننتظر مقاومة أوروبية على الطريقة المصرية، رغم الفارق الاقتصادى الهائل بين مصر وأوروبا.
فهل تفعلها أوروبا؟