" مواهب ذوو همم" تكتبه نهلة النمر
محمد العايدي: الكتابة مغامرة وجودية ومن لا يغامر لن يصل أبدًا
"هلفوت الكلمة" هكذا يصف محمد العايدي نفسه، ربما هو يراه توصيفا يليق بكاتب اختار أن يقف خارج القوالب الجاهزة، وأن يكتب من منطقة لا تبحث عن التعاطف بقدر ما تطرح الأسئلة، ألقاب كثيرة أُطلقت عليه، لكنها جميعًا تصب في حقيقة واحدة: نحن أمام صوت أدبي لا يشبه إلا نفسه.
محمد حسني السيد عياد الباشا، الشهير بمحمد العايدي، كاتب أربعيني، صاحب إرادة صلبة، يعيش بإعاقة حركية جعلته جليس مقعد متحرك، لكنها لم تكن يومًا عائقًا أمام الخيال أو الفعل. وُلد في الخامس عشر من أغسطس عام 1985، وشهدت بدايات الألفينات انطلاقته الأولى مع الكتابة من خلال قصص الأطفال والخواطر، قبل أن يعلن نصه القصصي «القوة والسلام» ميلاد مشروع أدبي سيواصل التمدد والاشتباك مع الأسئلة الكبرى.
يعاني العايدي من شلل رباعي في النصف السفلي، إلى جانب تشوهات ومشكلات تكوينية حالت دون الحركة، لكنها لم تعق العقل، ولم تكسر الرغبة في الإبداع فالجسد قد يتوقف، أما الإرادة فكانت دائمًا في حالة حركة. ومع مرور السنوات، راكم رصيدًا أدبيًا يتجاوز المائة عمل، تنوعت بين الرواية الطويلة والنوفيلا، والقصة القصيرة والأقصوصة، والمقالات الفكرية، والشعر العامي والفصيح.
يُعرف العايدي بجرأته في اقتحام المسكوت عنه، وبمزجه اللافت بين الفلسفة والرعب والرمز الديني والتحليل النفسي، في نصوص لا تسعى إلى إرضاء القارئ، بل إلى إرباكه، ووضعه أمام أسئلة لا تمنحه إجابات جاهزة. نشر إلكترونيًا عشرات المقالات والقصائد والقصص القصيرة، من بينها قصيدة «المهدي المنتظر» النثرية التي أثارت جدلًا واسعًا لكونها جاءت على لسان إبليس.
أما ورقيًا، فقد صدرت له أعمال عدة شاركت في معارض الكتاب، من أبرزها «قناع الحرمان»، و«سكر مُر» بطبعتيه الأولى والثانية بالمشاركة مع الشاعر رضا خضر موافي، و«لخابيط»، و«فتاة الزهايمر» بالمشاركة مع الكاتبة دعاء حجازي، و«طيور بلا أجنحة»، و«فريسة الشيطان»، و«مالك وآدم». وتُعد رواية «ظام قائد الحرس» عمله الأحدث والأقدم في آن واحد؛ إذ بدأ كتابتها عام 2012، واكتمل بناؤها عام 2014، لكنها ترى النور ورقيًا هذا العام، وتشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب، متناولة قضايا شائكة مثل الصراع بين الإنسان والشيطان، وجدلية الخير والشر، والاختيار والقدر، والسلطة الدينية والسياسية، مع تفكيك صورة إبليس عبر سرد فلسفي رمزي يلامس التاريخ والواقع والميتافيزيقا.
يرفض العايدي اختزال تجربته الإبداعية في إعاقته الجسدية، مؤكدًا أن سيرته ليست بطاقة تعريف للنص، بل وقود خفي أشعل الأسئلة داخله. ويرى أن النظر إلى الكاتب من ذوي الإعاقة من زاوية التجربة قبل النص سيف ذو حدين؛ قد يفتح باب التعاطف، لكنه كثيرًا ما يغلق باب الحرية. فالنص، كما يؤمن، لا يطلب إذنًا من سيرة صاحبه، ولا يحتاج عكازًا ليمشي.
في فلسفته، يشبه المبدع من ذوي الإعاقة بلورة؛ تبدو هشة لكنها غير قابلة للكسر. بلورة لا تنتمي إلى ضعف الجسد، بل تتشكل على مقاس العقل، وتستمد صلابتها من الإرادة ووعي التجربة. فالجسد قد ينكسر، لكن الفكرة لا، والإرادة حين تتجسد في الإبداع تصبح أصلب من أي عظم وأبقى من أي جسد.
وحين يُسأل عن نصيحته للروائيين المبتدئين، لا يتردد في التحذير من الإفراط في الطرح الإنشائي، فالرواية – في نظره – ليست موضوع تعبير ولا خطابًا أخلاقيًا، بل فعل حي، وشخصيات تتنفس، وصراع يتكشف عبر السرد لا الوعظ. ويؤكد أن الجبن في الكتابة أخطر من الخطأ، لأن النص الخائف يظل ميتًا مهما بلغت سلامته اللغوية، بينما الجرأة هي المحرك الحقيقي لأي مشروع أدبي.