وبينما أكتب هذه الكلمات قد تكون الولايات المتحدة الأمريكية وجهت ضربتها الثانية خلال أقل من عام لإيران، وهى الضربة التى قد تكون حاسمة فاصلة لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية القائم منذ عام 1979، وما يضفيه ذلك من تداعيات وتعقيدات لمشهد إقليمى معقد ومتشابك من الأساس. فالمشاكل الإقليمية والدولية تتشابك وتتفاقم، ومن الواضح أن قدرة النظامين الإقليمى والدولى على التفاعل معها تتراجع، حيث تواجه الحكومات صعوبات فى التكيف مع تلك التحديات المركبة، هنا تكتسب مراكز الفكر أهمية بالغة فى مساعدة الدول على فهم نظام دولى جديد أكثر تعقيداً وقيد التشكل. هنا لم تعد مراكز الفكر (Think Tanks) مجرد مؤسسات بحثية أكاديمية، بل أصبحت خط الدفاع الفكرى الأول والمحرك الرئيسى لصياغة بدائل السياسات. ولمزيد من التدليل والإيضاح على أهمية دور مراكز الفكر، قرار اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال، هو قرار تم اختباره فى مراكز الفكر الاستراتيجية، فى دراسة أعدها معهد الأمن القومى الإسرائيلى فى 10 ديسمبر 2025 والمعنونة بـ«إسرائيل فى ساحة البحر الأحمر: استراتيجية بحرية محدثة»، قبل أن يتم تصعيده إلى المستوى السياسى لاتخاذ القرار بعد نشر الدراسة بأسبوعين. هنا تبدو أهمية تقديرات الموقف الاستراتيجية الصادرة عن تلك المراكز، والدور التى يمكن لها أن تلعبه على مستوى عملية صنع القرار أكثر وضوحاً.
وثانياً، إلى جانب دورها كوسيط وحلقة وصل بين البحث العلمى والسياسات العامة، تلعب مراكز الفكر والدراسات دوراً إضافياً يتمثل فى كونها منصات للوعى والإصلاح، حيث يمكن لمراكز الفكر أن تعمل كجسور تواصل بين مختلف الجهات المعنية، من علماء ومنظمات مجتمع مدنى ومؤسسات، بما فى ذلك وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى والصحفيين، ما يسهم فى صياغة ونشر الوعى حول مختلف القضايا خاصة فيما يتعلق بتحديات الأمن القومى الإقليمية.
وثالثاً، وعلى المستوى الدولى هذه المراكز يمكنها أن تؤدى دورا فاعلا على مستوى الدبلوماسية غير الرسمية، تعمل بمثابة دبلوماسيين غير رسميين، يعززون الحوار والثقة بين الدول. فالتعاون الوثيق بين مراكز الفكر من مختلف الدول يعزز قدرتها على الاستفادة من زوايا مختلفة، وابتكار حلول جديدة، وبناء توافق فى الآراء حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية. ويمكن أن يشكل هذا التفاعل القائم على الثقة، أساساً لحوار عالمى فعال غير رسمى، بما فى ذلك الأوقات التى تواجه فيها القنوات الدبلوماسية الرسمية جموداً أو انهياراً.
لذلك، فى خضم هذا التصاعد فى حالات عدم الاستقرار الجيوسياسى تصبح الحاجة ملحة لتعزيز دور مراكز الفكر والبحث والدراسات الوطنية، وتعزيز أواصر التواصل والتنسيق فيما بينها من أجل الاستفادة من قدراتها، حيث يمكن لها أن تشكل «بنكاً للأفكار وتقديرات الموقف الاستراتيجية»، بما يعزز من خيارات صانع القرار المصرى. ومن أجل تنسيق وتنظيم تلك الأدوار، يبرز أهمية وجود «مظلة وطنية» جامعة لمختلف مراكز الفكر الوطنية، وليس أفضل للقيام بهذا الدور من مركز المعلومات دعم واتخاذ القرار بقيادة الدكتور أسامة الجوهرى، مساعد رئيس مجلس الوزراء ورئيس المركز. خاصة وأن المركز يمتلك المركز واحدة من أكبر قواعد البيانات الوطنية، وهو ما يمثل «الوقود الفكرى» اللازم لأى مركز فكر لإنتاج دراسات رصينة. يمكن لها أن تمثل أساسا لتحويل «بنك الأفكار» إلى خلية أزمة قادرة على تقديم تقديرات موقف آنية عند حدوث أية متغيرات مفاجئة.