أدﺑﺎء ذوو ﻫﻤﻢ
منى مختار.. صعيدية تتحدى الجغرافيا والجسد
لحظة ما أنهيت الحوار مع منى مختار، أدركت أن قلة حديثها ليست فراغاً، بل امتلاءً صامتاً. فقد كانت إجاباتها مقتضبة، محددة التعبير، كأن الكلمات لديها اعتادت الاختباء، لا تنفق إلا حين تستحق، وكأن التحديات الكبرى فى حياتها لم تكن سوى محطات محتملة لا تستدعى الضجيج. بدت امرأة اعتادت الصعوبات حتى صارت جزءاً من نسيجها اليومى، فلم تعرف يوماً معنى الشكوى، ولا اعتادت الاعتراض، بل مضت فى حياتها بصلابة هادئة، تشبه الذين يحملون أوجاعهم بكرامة، ويمرون من النار دون أن يتركوا ورائهم سوى أثر خفيف من الضوء. تجربة منى حسانى ليست حكاية نجاح فردى فقط، بل شهادة على ما تواجهه المرأة المبدعة فى الجنوب من عزلة، وما قد تفرضه الإعاقة من صبر مضاعف. ومع ذلك، أثبتت أن الكتابة قادرة على هزيمة التأجيل، وأن الأحلام التى تتأخر لا تموت... بل تنضج.
فى صعيد مصر، لا تكون الموهبة وحدها كافية، ولا يكفى أن تحب امرأة الكتابة كى تصبح كاتبة. فالإبداع هناك رحلة مضاعفة، صراع مع العادات، مع المكان، ومع الزمن نفسه. واليوم نقدم فى باب «أقلام على الطريق» كاتبة بدأت عقدها السادس، ومع ذلك فهى تبدأ مشوارها الإبداعى مقروناً بالنشر لأول مرة، حيث تشارك بثلاثة أعمال فى معرض القاهرة للكتاب هذا العام، لكنها لن تستطيع الحضور من قنا إلى القاهرة، لترى حلمها يتحقق حيث إصدارات تحمل توقيعها تتراص على أحد الأرفف هناك. فحكايتها ليست مجرد مشاركة فى محفل كبير ومهم، بل شهادة على الأحلام التى تتأخر سنوات، بفعل الجغرافيا، والعادات، ونظرة المجتمع، وقد تأتى بعد كل ذلك «الإعاقة الحركية» لتضيف امتحاناً آخر. منى مختار حسانى، كاتبة من مواليد 1974، تحمل حكاية امرأة قاومت القيد المزدوج، قيد المكان وقيد الجسد، وكتبت رغم كل شىء.
ولدت «منى» فى إحدى قرى محافظة قنا، وأصيبت فى طفولتها المبكرة بشلل الأطفال، ما ترك أثره على حركتها. ومع غياب مدرسة إعدادية فى قريتها البعيدة، كانت تضطر يومياً للذهاب إلى قرية مجاورة، فى رحلة شاقة لطفلة بطيئة الحركة، قبل أن تنتقل بها أسرتها إلى مدينة قنا دعماً لتعليمها. صدر لها مؤخراً ثلاثة أعمال، مجموعتان قصصيتان ورواية، وهى الآن معنا عبر الهاتف النقال تخبرنا من تكون؟
متى بدأ وعيك بالكتابة؟
بدأت أثناء دراستى الجامعية فى كلية الآداب فى جامعة جنوب الوادى، قسم اللغة العربية. كانت الكتابة ملاذى، ووسيلتى للتعبير عن ذاتى وحلمى.
ما أصعب التحديات التى واجهتك كمرأة مبدعة تسكن الجنوب؟
التنقل اليومى كان تحدياً جسدياً، إضافة إلى مجتمع يقيم التعليم للوظيفة فقط، وليس للإبداع أو المعرفة.
كيف توازنت بين التعليم والعمل والأسرة؟
حصلت على تمهيدى الماجستير فى القاهرة بمساعدة والدى، لكن بعد الزواج والأمومة، اخترت التفرغ للأسرة، تاركة الكتابة متنفساً شخصياً حتى بلغت الثانية والخمسين.
كيف بدأ حلم النشر يتحقق لدى منى مختار؟
بعد الخمسين. تساءلت، هل ما أكتبه يستحق أن يرى النور؟ ووجدت ضالتى عبر منصات التواصل الاجتماعى، ثم جاءت أول مشاركة ورقية، وتوالت التجارب حتى صدرت لى هذا العام ثلاثة أعمال مطبوعة، مجموعتان قصصيتان ورواية.
ما الرسالة التى ترغبين فى إيصالها للقراء؟
أريد أن يقرأ العالم حكاياتى وحكايتى، ليعلموا أن هناك بعيداً فى الجنوب توجد امرأة عاشت لأجل أبنائها، فأجلت كل أحلامها، وهى الآن تحاول الوصول ولو لحلم صغير من أحلامها لنفسها.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض