فى كل محطة انتخابية كبرى يمر بها حزب الوفد، تتجدد الأسئلة وتتصاعد بعض المخاوف وأبرزها ما يُثار اليوم حول تعدد المرشحين لرئاسة حزب الوفد، وكأن التعدد فى حد ذاته أزمة، أو أن المنافسة مؤشر ضعف، بينما الحقيقة على النقيض تمامًا، فالوفد، منذ نشأته، لم يكن حزب الصوت الواحد ولا القيادة المفروضة، بل كان ــ وسيظل ــ حزب التنوع والاختلاف المنضبط، وحزب التداول الديمقراطى قبل أن تصبح الديمقراطية شعارا متداولا، ومن هذا المنطلق، فإن تعدد المرشحين على رئاسة الحزب لا يعكس انقساما، بل يؤكد حيوية التنظيم وثراءه، ويبرهن على أن الوفد ما زال قادرا على إنجاب قيادات ورؤى متعددة.
إن الحزب الذى يعانى وهنا أو ضعفا اليوم هو الحزب الذى لا يجد من يتقدم لتحمل المسئولية، أو ذاك الذى تُحسم فيه المواقع سلفًا دون منافسة حقيقية، أما الوفد، فاليوم يشهد حالة نادرة فى الحياة الحزبية المصرية، حيث يتقدم مجموعة من الكفاءات الوطنية، التى يحمل كل منهم تاريخه ورؤيته واجتهاده، وكلهم ينتمون لمدرسة واحدة، ويجمعهم هدف واحد هو استعادة قوة الحزب ودوره الوطنى.
ولنكن صرحاء مع أنفسنا ومع الوفديين: الخلاف فى الرؤى والبرامج ليس خطرًا، بل الخطر الحقيقى هو الجمود، وغياب البدائل، وتحويل الحزب إلى كيان مغلق على ذاته، الانتخابات، فى جوهرها، ليست صراعًا على كرسى، وإنما لحظة مكاشفة ومراجعة، وفرصة لطرح الأسئلة الصعبة التى تأجلت طويلا، ولتقديم إجابات جديدة تواكب تحديات الواقع السياسى.
ومن هنا، فإن المطلوب من الجميع ــ مرشحين وأنصارًا وقواعد ــ أن يديروا هذا الاستحقاق بروح الوفد، لا بمنطق الغلبة، وأن تكون المنافسة شريفة، وأوجه رسالتى هنا إلى كل الوفديين: اختلافنا اليوم يجب أن يكون مقدمة لوحدتنا غدًا، من يفوز بالرئاسة لا يحكم وحده، ومن لم يحالفه التوفيق لا يُقصى ولا يُهمش، الحزب يتسع للجميع، ولا نهضة حقيقية دون تضافر كل الجهود بعد إسدال الستار على العملية الانتخابية.
إن حزب الوفد، بما يملكه من تاريخ ورمزية وقواعد ممتدة، مطالب اليوم بأكثر من مجرد إدارة شئونه الداخلية؛ فهو مدعو لاستعادة موقعه كحزب وطنى فاعل يعبّر عن مصالح المواطنين، وينحاز لقضايا العدالة الاجتماعية، ويقدم رؤية سياسية واقتصادية متوازنة تدعم الدولة المصرية وتدفع مسار الإصلاح الديمقراطى إلى الأمام.
وفى هذه اللحظة الفارقة، تصبح وحدة الصف ليست خيارًا، بل ضرورة وطنية، حيث تحتاج الدولة إلى أحزاب قوية، قادرة على التواصل مع الشارع، وطرح بدائل واقعية، والمشاركة الإيجابية فى صنع السياسات العامة، سواء من داخل البرلمان أو عبر العمل الحزبى المنظم.
إن الرهان الحقيقى ليس على اسم الرئيس القادم، بقدر ما هو على وعى الجمعية العمومية، وقدرتها على اختيار من يقود الحزب فى هذه المرحلة الدقيقة، مع الحفاظ على صورة الوفد كحزب مؤسسى ومنظومة متكاملة الأدوار.
لذلك.. تمثل انتخابات رئيس حزب الوفد محطة مهمة فى مسيرة أحد أعرق الأحزاب السياسية المصرية، حزب ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الوطنية والنضال من أجل الدستور والدولة المدنية. وهى مناسبة لاختيار قيادة جديدة، لكنها فى جوهرها اختبار حقيقى لقدرة «بيت الأمة» على التماسك واستعادة دوره المؤثر فى الحياة السياسية.