حكاوى
فى الساعات الأولى من صباح العاشر من مارس الحالى، ومع إعلان لجنة التسعير التلقائى للمنتجات البترولية عن زيادة جديدة فى أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14% و30%، سارعت منصات التواصل الاجتماعى وبعض الدوائر التحليلية إلى ربط القرار بالتصعيد العسكرى الجارى بين المثلث الإسرائيلي- الأمريكي- الإيرانى. وعلى الرغم من أن غبار المعارك الإقليمية يلقى بظلاله حتما على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد الاقتصادى المصرى تؤكد أن هذه الزيادة هى استحقاق مؤجل، وتنفيذ دقيق لخارطة طريق تم الاتفاق عليها مسبقا مع صندوق النقد الدولى، وليست مجرد رد فعل للحرب الجارية حاليا. ولا يمكن فهم قرار الزيادة الأخير بمعزل عن المسار الذى انتهجته الحكومة المصرية منذ توسيع اتفاقها مع صندوق النقد الدولى فى مارس 2024، ليرتفع القرض من 3 إلى 8 مليارات دولار. وإحدى الركائز الأساسية لهذا الاتفاق كانت الإلغاء التدريجى لدعم الوقود للوصول بالأسعار إلى مستوى التكلفة الفعلية بنهاية عام 2025 وبداية 2026، باستثناء وقود السولار الذى يتمتع بخصوصية اجتماعية تؤخر وتيرة تحريره.
الحقيقة التى قد تغيب عن البعض هى أن موازنة العام المالى الحالى 2025-2026 صُممت بالفعل على أساس خفض مخصصات دعم الوقود إلى نحو 75 مليار جنيه، مقارنة بـ 154 مليار جنيه فى العام السابق. هذا الفارق الشاسع فى الأرقام لم يكن ينتظر وقوع مواجهة إيرانية-إسرائيلية ليتحقق، بل كان يتطلب تحريكا حتميا للأسعار لسد الفجوة التمويلية وضمان استمرار تدفق شرائح القرض، خاصة بعد إقرار الصندوق مؤخرا للمراجعتين الخامسة والسادسة.
وقد يرى البعض فى توقيت القرار ارتباطا شرطيا بتصاعد الحرب، خاصة مع إشارة بيان وزارة البترول إلى الظروف الاستثنائية العالمية. لكن بالنظر إلى الجدول الزمنى لاجتماعات لجنة التسعير، نجد أن الزيادة كانت متوقعة منذ الربع الأخير من عام 2025، وتم تأجيلها لاعتبارات امتصاص صدمات التضخم المحلية.
إن الربط بين زيادة الوقود والحرب الإقليمية قد يبدو منطقيا فى سياق ارتفاع أسعار خام برنت عالميا، وهو عامل يؤثر فعليا على معادلة التسعير. ولكن فى الحالة المصرية، الزيادة تستهدف فى المقام الأول خفض العجز المالى المباشر فى الموازنة العامة، وهو التزام لا يقبل التأجيل أمام مراجعى صندوق النقد الذين يراقبون بدقة مدى التزام القاهرة بتحرير أسعار الطاقة لتوجيه الفائض نحو شبكات الأمان الاجتماعى والصحة والتعليم.
ما تفعله الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية الحالية ليس وراء قرار الزيادة، بل هو تعجيل تنفيذه وربما رفع سقف النسبة المطلوبة لتغطية التكلفة. فمصر التى تستورد نحو 28% من احتياجاتها من البنزين والسولار، تجد نفسها أمام فاتورة استيراد متضخمة بسبب اضطراب الملاحة فى البحر الأحمر وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. وهنا يصبح تنفيذ اتفاق الصندوق ضرورة مضاعفة، ليس فقط لإرضاء المؤسسات الدولية، بل لحماية الاحتياطى النقدى من التآكل فى ظل أزمة طاقة عالمية خانقة.
إن محاولة حصر قرار زيادة الوقود فى خانة تداعيات الحرب هو تسطيح لعملية إصلاح اقتصادى عميقة ومؤلمة تخوضها الدولة المصرية منذ سنوات. فالاتفاق مع صندوق النقد الدولى وضع الدولة أمام خيار واحد. وهو تحويل ملف الطاقة من عبء مالى إلى قطاع متوازن اقتصاديا. ويظل المواطن المصرى هو الحلقة الأهم فى هذه المعادلة، حيث تتزامن هذه الزيادات الهيكلية مع ضغوط تضخمية عالمية ناتجة عن الحرب. وهنا يأتى دور الدولة فى الموازنة بين الالتزام بالاصلاح وبين حماية الجبهة الداخلية، مؤكدة أن قرار الوقود هو قرار دفاتر ميزانية قبل أن يكون قرار خرائط عسكرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض