"يا خبر"
عندما تنفذ دولة ما عملية عسكرية داخل إقليم دولة ذات سيادة وتختطف رئيسها وتنقله خارج البلاد، فهذا ليس حدثا أمنيا أونزاعا ثنائيا.. هذا تحدي مباشر لجوهر النظام الدولي بعد 1945 والذي من المفترض أن يحمي سيادة الدول ويحظر استخدام القوة أوالتهديد بها، فمجلس الأمن وحده من يحتكر سلطة الإذن باستخدام القوة في غير حالات الدفاع الشرعي؛ ولهذا السبب اعتبرت عملية الولايات المتحدة ضد فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس "سابقة خطيرة"، حيث تنص المادة (2/فقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة على التزام الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة، أواستعمالها ضد سلامة أراضي أو الاستقلال السياسي للدول الأخرى، إن مجرد إعلان نية التدخل العسكري لفرض تغيير سياسي، أو اختطاف قيادة دولة حتى قبل التنفيذ أمر يمس الشرعية الدولية؛ لأنه يحول القوة إلى أداة سياسية، ويفرغ السيادة من مضمونها ويرهب الدول الصغرى.
[القانون الدولي حدد بشكل صريح الاستثناءات التي تسمح لدولة باستخدام القوة ضد دولة أخرى وهي محدودة جدا، ليس من ضمنها "اختطاف" رئيس دولة, فميثاق الأمم المتحدة يسمح باستخدام القوة في حالتين أساسيتين: الأولى تفويض مجلس الأمن تحت الفصل السابع, والثانية الدفاع الشرعي وفق المادة (51) إذا وقع هجوم مسلح، وبشروط الضرورة، والتناسب والإبلاغ.
[القيام بعمل عسكري داخل دولة ذات سيادة باعتباره "إنفاذ قانون"، أو"ملاحقة جنائية" يتعارض مع القانون الدولي؛ فالاتهامات الجنائية (مثل المخدرات أو الإرهاب) لاتمنح بذاتها حق استخدام القوة العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، ما لم يتوافر معيار الدفاع الشرعي، أوتفويض مجلس الأمن.
[الرئيس ترامب الآن يعيد تعريف دورالولايات المتحدة كقوة مهيمنة في العالم ويرفض التعددية الدولية ويتخذ قراراته دون أن يلقي بالا لأي تنسيق دولي، فهو يستخدم كل الضغوط بما فيها الاقتصادية والعسكرية، ويقول للدول "إما أن تكونوا معي أو ضدّي", و يركز على استعادة الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، والتخلص من نفوذ قوى خارجية مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، عبر الإكراه التجاري والتدخلات العسكرية الانتقائية دونما اكتراث للقانون الدولي الذي يراه عقبة أمام طموحاته الجنونية، ويريد إحياء مبدا أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، بذريعة حماية مصالح أمريكا، ومنع التهديد المحتمل لأمنها القومي، وفرض الوصاية على نف الكرة الغربي.
[ما حدث في فنزويلا ليس كما يصرح الرئيس الأمريكي بأنه بسبب المخدرات وتجارتها, فليست فنزويلا وحدها تذكر في هذا السياق وحتى إن كان لدى الرئيس الأمريكي ما يدعم اتهاماته فلن يكون العقاب اختطاف رئيس دولة والاعتداء على سيادتها!, أما السبب الحقيقي فهو النفط الفنزويلي, فالاستثمار في النفط الفنزويلي أو السيطرة عليه، هدف حيوي لواشنطن، وهذا لم يكن متاحا بوجود الرئيس مادورو في السلطة، الذي ورث سياسات الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز المعادي لواشنطن.
[غطرسة القوة التي يستخدمها الرئيس الأمريكي تخلق حالة من عدم الاستقرار لدى الحلفاء والخصوم معا، فالرجل لم يكف عن التهديدات العشوائية والتحركاتها المفاجئة، والاستخفاف بالخصوم والتقليل من شأن الدول الصغيرة والفقيرة، ويرى قادة أمريكا اللاتينية مجرد تابعين، ويستغل تذبذب أوروبا لتوسيع نفوذ واشنطن الاقتصادي بالتعريفات الجمركية ويتعامل مع الولايات المتحدة كشركة كبيرة والدول عبارة عن شركات صغيرة يريد إما الاستحواز عليها أوالدخول معها في شراكات تبقي الهيمنة الأمريكية في الصدارة و يديرالسياسة الدولية كصفقة تجارية، متجاهلا كل القواعد الدبلوماسية.
[الولايات المتحدة التي تزعم أنها الحارس للقانون الدولي، تختطف الرئيس مادورو، وتنتهك سيادة فنزويلا العضو بالأمم المتحدة، والسؤال هنا ما موقف واشنطن والدول التي وافقت على فعلتها في فنزويلا لو كانت كانت روسيا مثلا قد أقدمت على اختطاف الرئيس الأوكراني، أو أقدمت الصين على اختطاف رئيس تايوان؟
[سيعود العالم إلى منطق القوة وسيدخل إلى مزيد من الفوضى لوتركت الدول القوية تتوغل على الدول الأصغر والأضعف بذرائع واهية, ولن ينقذ العالم في رأيي من هذا المصير سوى إعادة توازن القوى في العالم وإصلاح المنظمات الدولية التي من المفترض أن تضمن سيادة القانون وتحمي السلم والأمن الدوليين؛ فقد فقدت هذه المنظمات صلاحيتها ناهيك عن أنها من الأساس قامت على مبدأ يتنافى مع العدالة وأتحدث عن حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن.