رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا شك أن أحد الأهداف الرئيسية من إنتاج فيلم "نورمبرج" Nuremberg هو إعادة تذكير العالم بما وقع في "الهولوكوست"، فالمشهد الرئيسي أو (الماستر سين) الذي يأتي في ذروة أحداث الفيلم هو المشهد الذي يُعرض خلاله أمام المحكمة، فيلم تسجيلي مصور من داخل بعض معسكرات الاعتقال النازية التي حررتها قوات الحلفاء، وهو فيلم حقيقي، يتضمن إشارات كثيرة الى "غرف الغاز"، و"المحارق"، و"القتل الجماعي"، وكذلك اللقطة الشهيرة لبلدوزر يزيح أكواما من الجثث التي تبدو كهياكل عظمية هشة، ويجرفها بعيدا.. وهو ما قد يفهم باعتباره صورة نموذجية للوحشية النازية (التي لا نشكك فيها إطلاقا) لكن الحقيقة هي أن من يقود البلدوزر الذي نراه في اللقطة الشهيرة التي انتشرت في العالم كله بعد الحرب بعد أن نشرتها مجلة "لايف"، هو عسكري بريطاني يرتدي "البيريه" البريطاني الشهير، وكان يقوم بتنظيف معسكر بيرجن- بيلزن.
ولا شك أن سوء التغذية الذي نتج عن عدم وصول الإمدادات الى المعسكرات بسبب الغارات الجوية العنيفة التي شنها الحلفاء وكانت تستهدف طرق الإمدادات، والنقص الحاد في الأدوية، مع انتشار الأوبئة، أدى إلى موت عشرات الآلاف، كما أنتج الصورة الشهيرة التي التقطت عند تحرير المعسكرات الواقعة في ألمانيا من قبل القوات الأمريكية، للهزال الجسدي الشديد الذي يعاني منه النزلاء اليهود وغيرهم. فالفكرة الأساسية وراء تشييد هذه المعسكرات كانت أن تكون معسكرات للعمل الإجباري، أي تشغيل اليهود وغير اليهود من نزلائها في كثير من الأشغال التي تتعلق بالإنتاج الحربي وبالتالي إمداد الآلة العسكرية الألمانية بكافة المستلزمات التي تحتاجها. 
ومن الطبيعي أن يحرص "السيد" على الإبقاء على حياة "العبد" الذي يسخره في خدمته، ولكن من الطبيعي أيضا أن يموت خلال العمل الشاق والغذاء القليل، الكثيرون، وأن يقتل آخرون ممن تمردوا أو حاولوا الفرار، بالرصاص، وهو أسهل كثيرا من تشييد غرف للقتل بالغاز يمكن أن تنفجر أو يتسرب منها الغاز فيقتل الحراس الألمان أيضا، كما أن وجود "محارق" لا يعني بالضرورة وجود "غرف غاز"، فالمحارق لحرق الجثث ولكن كثير ما صورت في أفلام الدعاية الغربية باعتبارها آلات لحرق الناس أحياء. كما يتم في الإعلام الغربي عموما، والسينما خصوصا، الخلط بين الحرق والقتل بالغاز. في حين أن حرق الجثث يمارس في العواصم الأوروبية حتى يومنا هذاـ اختياريا ومقابل أجر مدفوع!
يوحي الفيلم أيضا بوجود غرف غاز في معسكرات بيرجن- بيلزن وداخاو التي نرى لقطات منها في الفيلم التسجيلي الذي يعرض داخل فيلم "بورمبرج" الروائي، بينما نفى الباحثون والمؤرخون في ألمانيا الاتحادية بعد الحرب (في عام 1960) وجود غرف الغاز في أي من المعسكرات التي أقيمت على الأراضي الألمانية، وقالوا إنها وجدت فقط في المعسكرات التي أقيمت خارج ألمانيا، في بولندا أساسا، وأشهرها معسكر "أوشفتز" الذي حررته القوات السوفيتية  التي لم تسمح للصحفيين قط بدخوله والتيقن من وجود غرف غاز فيه، وقالوا فيما بعد إن الألمان فجروها قبيل الانسحاب منها، ولكن المفارقة أن غرفة الغاز التي يشاهدها السياح في معسكر "أوشفتز" حتى يومنا هذا، أقيمت هناك كنموذج متخيل في عام 1949 أي بعد 4 سنوات من نهاية الحرب، وهذا باعتراف مدير المتحف نفسه والسلطات البولندية، بل إن اللوحة المرفوعة فوق هذا المعسكر التي كانت تقول "هنا قتل 4 ملايين شخص"، أزيلت في عام 1990 وعلقت مكانها لوحة أخرى تحمل رقم مليون ونصف مليون شخص!
فيلم "نورمبرج" قد يكون متميزا بقوة تصويره للدراما أو الصراع المتخيل بين الطبيب النفسي الأمريكي دوجلاس كيلي والقائد النازي هيرمان جورينج وقاضي الادعاء الأمريكي روبرت جاكسون، مع براعة في أداء الأدوار من جانب راسل كراو ورامي مالك ومايكل شانون في الأدوار الثلاثة، ورغم ذلك، فزاوية العرض، مخصصة أولا وأخيرا، للحديث عما يفترض أن يكون قد وقع قبل أكثر من ثمانين سنة، وهو ما يُستغل في التغطية على "الإبادة الجماعية" المستمرة حتى يوما هذا.