رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن الهجرة غير الشرعية يوماً مجرد محاولة سفر، بل هي مقامرة دموية يدفع ثمنها الشباب بأرواحهم، وتتحمل أعباءها الدولة، بينما ينجو تجار الوهم بثرواتهم القذرة ، وفي مواجهة هذه الجريمة المنظمة، تقف الدولة المصرية، ممثلة في وزارة الخارجية، في الصف الأول، تتحرك حيث يجب أن تتحرك الدولة، وتقوم بما يفرضه عليها الواجب الوطني والإنساني، دون تخلٍّ أو تبرير أو انتقائية
وزارة الخارجية لا تفرّق بين مواطن أخطأ وآخر التزم بالقانون، فالمواطن يظل مواطناً، والدولة لا تتبرأ من أبنائها، عبر قطاع الشؤون القنصلية والمصريين بالخارج، وقطاع الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، تتحرك الجهود الدبلوماسية بلا ضجيج، لإنقاذ محتجزين، ومتابعة موقوفين، واستعادة مرحلين، وحتى استقبال جثامين من ابتلعهم البحر. في ليبيا واليونان وغيرهما، أثبتت الدولة أن حماية المصري في الخارج ليست شعاراً، بل ممارسة يومية مكلفة وشاقة
لكن الحقيقة المؤلمة أن الدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها إنقاذ شباب يدفَع دفعاً إلى التهلكة، فجزء كبير من المسؤولية يقع على عاتق الأسرة، التي تتحول أحياناً  بوعي أو بجهل إلى شريك في الجريمة، أسر تبيع ما تملك، وتستدين، وتوقّع شيكات، لتسلم أبناءها إلى سماسرة الموت، تحت وهم “الفرصة الذهبية” و”السفر اللي يغير الحياة”، وحين تنقلب الرحلة إلى كارثة، يبدأ الصراخ والإتهام، بينما يكون الثمن قد دُفع سلفاً ،إبن مفقود، أو سجين، أو جثمان عائد في تابوت.
الأكثر خطورة أن أكذوبة الجنة الأوروبية لم تعد تُسوق في الأزقة فقط، بل صارت تبث يوميًا عبر شاشات الهواتف والسوشال ميديا ، صور مصطنعة، سيارات فارهة مستعارة، وملابس أنيقة تخفي وراءها غرفاً مكتظة، وأعمالاً شاقة، واستغلالاً مهيناً، وحياة بلا أمان أو كرامة. شباب يُخدعون، وأسر تُخدر ضمائرها بالأحلام، بينما الواقع أقسى مما يُقال.
وأرقام عام 2025 لا تترك مجالاً للمكابرة أو الإنكار. آلاف المرحلين من ليبيا، مئات المفرج عنهم بعد مفاوضات شاقة، وأكثر من 300 جثمان أعادتهم الدولة بعد أن لفظهم البحر. هذه ليست أرقاماً في بيان رسمي، بل شواهد دامغة على فشل إجتماعي وثقافي، كل رقم إسم، وكل إسم حكاية فاجعة.
الهجرة غير الشرعية ليست أزمة فردية، بل جريمة منظمة عابرة للحدود، تتغذى على الفقر والجهل واليأس، وتستوجب رداً  حاسماً لا بد من قوانين مغلظة تُطبّق بلا تردد على السماسرة والوسطاء وكل من يسهل أو يموّل أو يتستر.
الرحمة هنا ليست إنسانية، بل تواطؤ غير مباشر مع القتل.
وفي المقابل، لا تقل التوعية أهمية عن القانون. الإعلام، والتعليم، والخطاب الديني والثقافي، مطالبون بالخروج من دائرة النصائح الناعمة إلى مواجهة الحقيقة بوضوح وقسوة. نحتاج إلى خطاب يهز، لا يُجامل ، يكشف الكذبة كاملة، ويضع الشباب والأسر أمام صورة النهاية، لا صورة البداية المزوّرة.
الدولة تؤدي واجبها، وتدفع من ميزانيتها وسمعتها وطاقتها لحماية أبنائها في الخارج، لكن المعركة الحقيقية تبدأ داخل البيوت ، حين تدرك الأسرة أن الهجرة غير الشرعية ليست خلاصاً، بل طريقاً مختصراً إلى الفقد، وحين يفهم الشاب أن الوطن  بكل ما فيه من صعوبات إقتصادية، أرحم من بحر بلا شاطئ، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن إنقاذ حقيقي.
وختاماً، فإن الجهود التي يبذلها الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية، والسفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين بالخارج، والسفير نبيل حبشي نائب وزير الخارجية لشؤون المصريين بالخارج والهجرة، تمثل خط دفاع إنسانياً لا غنى عنه في مواجهة هذه الكارثة، لكنها، مهما بلغت، ستظل محاولة لإطفاء حريق، ما لم نتوقف عن صب الوقود بأيدينا.