حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج
قالت دار الإفتاء المصرية، إن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، والاستماع إلى درس العلم والمديح والذكر والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرٌ مشروعٌ ومستحبٌّ، وعمل الوليمة في هذه الذكرى أيضًا من المندوبات التي يثاب الإنسان على فعلها.
تحديد تاريخ ليلة الإسراء والمعراج
وأضافت دار الإفتاء أن ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، وذلك على الراجح الذي حكاه كثيرٌ من الأئمة واختاره جماعةٌ من المحققين، وهو ما جرى عليه عمل المسلمين قديمًا وحديثًا.
قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 361، ط. دار المعرفة) عند ذكر الليالي المخصوصة بمزيد الفضل والتي يتأكد استحباب إحيائها: [وليلة سبعٍ وعشرين منه -أي: من شهر رجب-، وهي ليلة المعراج].
وقال الإمام ابن الجوزي في كتابه "الوفا بتعريف فضائل المصطفى" (ص: 162، ط. دار المعرفة)؛ بعدما حكى الخلاف في زمن مسراه صلى الله عليه وآله وسلم: [قلت: وقد كان في ليلة سبعٍ وعشرين من رجب].
وهو ما جزم به الحافظُ سراج الدين البلقيني كما في "محاسن الاصطلاح" (ص: 718، ط. دار المعارف)، وكذا الإمام النووي الشافعي كما في "روضة الطالبين" (10/ 206، ط. المكتب الإسلامي).
وقد نقل العلماءُ هذا القولَ ونصُّوا على أنّ عليه عملَ الناس في سائر الأمصار والأعصار.
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بأنواع الطاعات
وبينت دار الإفتاء أن كيفية الاحتفال والاجتماع له فيه أمران:
الأمر الأول: ما يفعله المجتمعون في هذه الليلة من الذكر والدعاء وقراءة القرآن والاستماع إلى العلم وغير ذلك من الطاعات، وهو ما يسمى في مجمله "مجالس الذكر"، وهذا مما تواردت نصوص الشريعة الإسلامية في الدلالة على مشروعيته واستحبابه.
فقد جاء الحث في القرآن الكريم على ذكر الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وجاء التوجيه الإلهي للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام بما يشير إلى فضل مجالس الذكر والدعاء في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].
وهذا ما صرَّحت به السنة النبوية المطهرة، فعن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ» رواه مسلم.
وعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: «آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَاكَ؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ» رواه مسلم.
والأمر الثاني: تخصيص هذه الليلة بالاجتماع والجلوس للذكر والدعاء؛ شكرًا لله تعالى على ما تفضَّل به على رسوله الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأُمَّتِه، وهذا ثابت بالقرآن والسنة وعمل الأمة، فقد أرشدنا القرآن الكريم وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التذكير بأيام الله وفعل الطاعات في تلك الأزمان، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، وقد علَّمنا عليه الصلاة والسلام تعظيمَ الأيام المباركة بإيقاع الطاعات فيها؛ فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رواه مسلم.
وقد استقر عمل الأمة سلفًا وخلفًا على الاحتفال بهذه الليلة، بفعل الطاعات والأعمال الصالحات.